سادات لاتشينر
تشهد السياسة الكردية تغيرات جذرية. ولقد استطاع حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ذراع حزب العمال الكردستاني (PKK) في سوريا، وحلفاؤه تطهير مدينة كوباني (عين العرب) من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
“لغتنا الكردية الجميلة”
أدلى رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بتصريحات غير معتادة في الوقت الذي تحدث فيه هذه التطورات في كوباني؛ إذ قال خلال زيارة لمدينة ديار بكر جنوب شرق تركيا: “إن أتيح لي الوقت أريد أن أتعلم لغتنا الكردية الجميلة بقدر معرفتي بلغتنا التركية الجميلة. فها هم ينعتونني بـ”سيروك أحمد”. دمتم بصحة وسعادة”…
لاريب في أن تحول السياسة الرسمية للدولة التركية من “تحدَّثْ أيها المواطن بالتركية!” إلى تصريح داود أوغلو “أريد تعلم لغتنا الكردية الجميلة” يعتبر تغييرًا جذريًا لا مثيل له، وأعتقد أنه لن يكون من قبيل المبالغة أن تؤلَّف الكتب وتدوَّن الرسائل العلمية لتناول هذا التغيير…
“تحية إلى كوباني”
ثمّن داود أوغلو التطورات التي تشهدها كوباني، وأرسل تحية إلى المدينة؛ إذ قال: “تسبب المحرضون في نشوب أعمال عنف احتجاجًا على ما شهدته كوباني يومي 6 – 7 أكتوبر / تشرين الأول الماضي. ولم تندلع هذه الأحداث من أجل كوباني وأهلها. فهل يمكن لتركيا أن تنسى كوباني بعدما فتحت أبوابها لاستقبال 197 ألفا من سكانها على مدار ثلاثة أيام فيما بين 17 و20 سبتمبر / أيلول الماضي؟ إن كوباني هي أمانة تاريخية في أعناقنا. وأتوجّه بالتحية إلى كوباني، وأقبّل جبين كل أخ لنا هناك”.
كما ترون هناك تغيير كبير للغاية في الخطاب الرسمي التركي بشأن كوباني، هذا فضلًا عن أن هذه التصريحات تلقت تعليقات من العديد من الجهات، ولاتزال هذه التعليقات مستمرة…
هل انتهى خطر داعش؟
حسنًا، هل نجت كوباني حقًا؟ وهل انتهت معضلة الدولة الإسلامية بالفعل؟
أولًا أقول إن المكان الوحيد الذي يشهد احتفالات بـ”تحرير كوباني” هو مركز المدينة نفسها. فمئات القرى المحيطة بالمدينة لاتزال في قبضة داعش. أضف إلى ذلك أن التنظيم كان قد قطع شوطًا كبيرًا في سوريا منذ اندلاع أحداث كوباني، ونجح في توسيع حدود دولته المزعومة…
وهناك حقيقة أخرى مفادها أن التنظيم لا يتنازل عن مكان بسط سيطرته عليه بسهولة، بل إنه يتحيّن الفرص بعناد كبير. وهناك احتمال كبير جدًا أن يهاجم كوباني من جديد إذا فتحت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي أجنحتها لاستعادة القرى والأراضي المحيطة بكوباني.
هل هو “نصر كردي”؟
من ناحية أخرى، نشهد احتفال حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطية وغيرهم من التنظيمات الموالية لهم بـ”انتصار الأكراد” في كوباني ويحاولون أن ينسجوا “أسطورة كردية” من خلال الأحداث التي شهدتها المدينة. كما سعوا لتصوير كوباني وكأنها أكبر نصر عسكري حققه الأكراد في العصر الحديث، وحاولوا من خلال هذه الفكرة تحميس الشباب الكردي وتوحيد الأكراد المتفرقين في دول مختلفة حول مشاعر واحدة.
إن حزب العمال الكردستاني يولي اهتمامًا خاصًا بترسيخ الهوية الكردية أكثر من الاهتمام بالمزايا الاستراتيجية لكوباني. وقد استطاع التنظيم إدارة الهزيمة التي تلقاها في كوباني في الأشهر الأولى من خلال تضليل الرأي العام، والآن يقوم بالأمر نفسه بالنسبة للنجاح المسلح الذي حققه…
ورسموا صورة تقول إن “الأكراد المساكين المنبوذين ضحوا بأنفسهم من أجل حماية القيم الغربية”، وذلك من خلال استغلال قضية كوباني وبالتأكيد الاستفادة من بعض الأخطاء التي ارتكبتها تركيا في بادئ الأمر، وحاولوا من خلال هذه الفكرة التأكيد على أن “حزب العمال الكردستاني ليس تنظيمًا إرهابيًا”…
أما الآن فهناك مساعٍ تحاول أن ترسّخ صورة مفادها أن “الأكراد هم القوة الوحيدة التي تستطيع إيقاف تقدم تنظيم داعش”.
لكن إذا سألتم عما إذا كانت هذه هي الحقيقة، أقول لكم إنه من غير الممكن أن نؤيد الادعاء الذي يقول إن حزب العمال الكردستاني أو الأكراد بوجه عام هم الذين أوقفوا تقدّم تنظيم داعش. ولولا الهجمات الجوية التي قامت بها مقاتلات الولايات المتحدة وحلفاؤها لما كانت كوباني فقط، بل كانت أربيل أيضًا قد سقطت في قبضة داعش.
لقد وظّفت الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى وحداتها الاستخباراتية في كوباني، فقامت هذه الوحدات بعمليات استهدفت داعش، وساهمت في تأثير العمليات الجوية بالتنسيق بين الأرض والجو.
إسهامات تركيا
إن الإسهامات التي قدمتها تركيا هي التي جلبت النجاح لحزب الاتحاد الديمقراطي في كوباني؛ إذ قدمت أنقرة الدعم اللوجيستي إلى التنظيم، وكأنها حليفته، في مواجهة داعش. كما عبر العديد من شحنات الطعام والشراب والمستلزمات وحتى الأسلحة عبر تركيا إلى كوباني. وصارت بلدة سوروتش الواقعة على الجانب التركي وكأنها الجبهة الخلفية للاشتباكات في كوباني…
وكانت إحدى إسهامات تركيا الأخرى لدعم قضية كوباني هي استضافتها لما يقرب من 200 ألف من أبناء المدينة على أراضيها. ولو كان هؤلاء السكان قد ظلوا بالمدينة لما كان حزب الاتحاد الديمقراطي قد استطاع أن يقاوم داعش بشكل ناجع.
هذا فضلًا عن أن تركيا نظمّت عملية عبور قوات البشمركة من العراق ومقاتلي الجيش السوري الحر من سوريا نحو كوباني، وعليه يكون حزب الاتحاد الديمقراطي قد حصل على دعم مسلح كبير…
لو لم تكن تركيا قد قدمت الدعم إلى كوباني لكانت المدينة سقطت بنسبة كبيرة.
وباختصار، أقول إنه من الصعب ربط النصر المحقق في كوباني فقط بحزب الاتحاد الديمقراطي. وبينما نقول هذا الكلام سيكون من الخطأ أن نستهين بالكفاح الذي قام به التنظيم. لكن إذا اعتُقد بأن حزبي العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي هما اللذان حققا النصر في كوباني بمفردهما، فربما سيدفعان ثمن ذلك باهظًا في أي أحداث يمكن أن نشهدها في المستقبل.
يمكن أن تحدث بعض المشاكل نتيجة سعي حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطية لإنعاش “الحركة الكردية” التي تحدثنا عنها آنفًا، داخل تركيا عن طريق استغلال ملف كوباني. ومن يدري، فربما تكون “المناورة” التي أقدم عليها داود أوغلو في تصريحاته تهدف إلى الحيلولة دون وقوع هذه المشاكل منذ البداية… لكن الوقت هو الذي سيثبت لنا ما إذا كان هذا كافيًا أم لا.
موقع إنترنت خبر

















