كان فيلم “باب الحديد”، في العام نفسه، نقلة فنيه في مسار شاهين جسّد الفيلم اضطراب جمهورية ناصر الجديدة بشكل عام، من خلال مثلث حب متفجر بين ثلاثة أفراد يعملون ويقطنون في محور السكك الحديدية المزدحم بالمدينة. أدى شاهين نفسه، الذي نال تدريبًا في التمثيل، دور قناوي – بائع الصحف الأعرج بسيط العقل، الذي تحولت رغبته المُحبطة تجاه بائعة عصير الليمون العابثة إلى مأساة. ووفقًا لذكريات المخرج في فيله “حدوتة مصرية” (1982)، كان مقررًا أن يحصل على جائزة “أفضل ممثل” من “مهرجان برلين السينمائي” على هذا الدور، لكن الشك ساور بعض أعضاء هيئة التحكيم في أنه يؤدي فحسب الجانب الخاص بالعرج. أما الجمهور المصري، فلم يكن جاهزًا بعد لهذا المزيج الحي الذي قدمه الفيلم من الواقعية الجديدة والكآبة، والحياة الجنسية، بل وحتى المقطوعات الموسيقية؛ وظلت مشاهدة فيلم”باب الحديد” محدودة بقدر كبير لمدة 20 عامًا. (شاهد الجمهور البريطاني نسخة الفيلم مرة أخرى في عام 2002، ويبدو أن الفيلم لا يزال يُعد نقلة سينمائية حقيقية. ومن الواضح أن شعلة الواقعية الجديدة كانت تقترب من أماكن أخرى أبعد من مجرد فرنسا 1958)
أما مشروع شاهين الموروث فكان فيلم “صلاح الدين” (1963)، حيث قدم دفاع السلطان في القرن الثاني عشر عن القدس ضد الحملة الصليبية المسيحية رمزًا لملحمة ناصر حول القومية العربية. هذا على الرغم من أن شاهين الكاثوليكي، فضلاً عن الكُتاب اليساريين الذين يعملون معه، يرون صلاح الدين أيضًا نموذجًا للسلام والتسامح الديني. بيد أن علاقة شاهين بسلطات ما بعد الاستعمار سرعان ما أصبحت أكثر نقدًا. تأخر فيلم “الناس والنيل” (1968-78)، وهو فيلم وثائقي عن بناء سد أسوان، لمدة أربع سنوات بسبب الرعاة المصريين والسوفييت؛ وذلك بعد أن ابتعد شاهين عن ميثاقهم حول صنع أسطورة وطنية واتجه نحو تقديم صورة لتأثير السد على حياة الأفراد. يتناول فيله “الاختيار” (1970) لغز جريمة قتل، بما يطرح تعاظم الانقسامات الفكرية في مصر في أعقاب حرب الأيام الستة المُفجعة – وهي الهزيمة التي ألقى فيلمه “العصفور” (1973) سببها على الفساد في المؤسسة السياسية. وقد منعت حكومة السادات عرض الفيلم لمدة سنتين .
لقد اتخذت قدرة شاهين على الربط بين الشخصي والسياسي خطوة أخرى إلى الأمام بتقديمه سيرته الذاتية من خلال رباعية الإسكندرية، حيث اتخذ هذه التسمية لأفلامه الأربعة لأن الإسكندرية هي المدينة التي ولد فيها. يروي فيلم “إسكندرية ليه” (1978) أحلام الصبي يحيى في أن يصبح مخرجًا، في فترة تفاوتت فيها الآراء بالقاهرة حول الاحتلال الألماني في عام 1942: بينما كان السكان المحليين يخطفون الجنود البريطانيين أو يتوعدونهم بأن “هتلر سوف يحولكم إلى راقصات”، يحلم يحيى بإخراج أفلام غنائية؛ كما تلتهب مختلف المشاعر غير المشروعة بين يهودي وشيوعي مسلم – بين عم يحيى وجندي بريطاني شاب. وكان الفيلم ممنوعًا أيضًا على نطاق واسع.
بعد أن أجرى شاهين جراحة القلب المفتوح المُضنية، عكف على تحويل هذه التجربة إلى فيلم سينمائي على شكل محاكمة حياة يحيى في فيلمه “حدوته مصرية” (1982)، وهو أكثر أفلامه شبها بالنمط الفلليني: فقد اتهم ضميره بخيانة مثالية شبابه، واستعرض علاقاته ومعالم مساره الفني على خلفية التحولات التي شهدتها مصر بعد الحرب. أما فيلمه “إسكندرية كمان وكمان” (1990)، فهو خيال موسيقى استعراضي تدخل خلاله مجمل صناعة السينما المصرية في إضراب عن الطعام من أجل الديمقراطية.

















