آدم ياووز أرسلان
صاحب العبارة الواردة في عنوان المقال هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكان قد قالها خلال زيارة رسمية إلى المكسيك في إطار جولة شملت عدة دول في أمريكا الجنوبية خرج فيها من أجل إغلاق المدارس التركية وتقديم شكوى بحق حركة الخدمة إلى المسؤولين الأجانب. أما المقصودون بهذه العبارة هم أعضاء الكونجرس الأمريكي أي النواب الأمريكيين.
كان أردوغان قد ألقى كلمة في معهد روميرو وانتقد الصمت إزاء مقتل 3 شباب مسلمين في ولاية كارولاينا الشمالية وخاطب نظيره الأمريكي باراك أوباما بقوله: “لماذا تصمت؟”
لكن كثيرين لم يتابعوا ما جاء بعد هذه الكلمة. بيد أن ما جاء في بقية كلام أردوغان يتضمن عبارات تحمل وصف “الفضيحة” نادرة الحدوث في تاريخ الدبلوماسية العالمية.
قال أردوغان ما يلي دون زيادة أو نقصان: “لماذا تصمت يا سيد أوباما؟ لماذا تصمت يا بايدن؟ لماذا تصمت يا كيري؟ لكن بعضهم يجدون 80 رجلًا للإيجار لمهاجمة تركيا ويرسلون إليهم خطابًا يستهدف تركيا وأنتم تنظمون حملة ضد تركيا استنادا على ذلك الخطاب”.
فهذه الكلمات من قبيل تلك الكلمات التي “تفسد كيمياء جسم الإنسان” بتعبير كان مشهورا في وقت مضى. تخيلوا معي أن أردوغان يتهم 80 عضوًا من الكونجرس الأمريكي بـ “العمالة” وأنهم يمكن بيعهم أو شراؤهم بالمال، كما يتهم أوباما وبايدن وكيري بالقيام بـ”حملة ضد تركيا”.
ليس من الصعب تخمين حجم الدمار الذي ستخلفه هذه العبارات في العلاقات التركية – الأمريكية التي تعيش بالفعل أسوأ أيامها على مر التاريخ. ومعلوم ما هو مصدر رد فعل أردوغان الغاضب، ألا وهو أن 88 عضوًا بالكونجرس أرسلوا خطابًا إلى وزير الخارجية جون كيري يعربون فيه عن استيائهم إزاء عملية “مطاردة الساحرات” التي تنفذها الحكومة التركية ضد وسائل الإعلام.
لقد أعرب أنصار حزب العدالة والتنمية، وفي مقدمتهم الرئيس أردوغان، عن ردود أفعال غاضبة إزاء هذا الخطاب. حتى أن ردود أفعالهم تحولت إلى عملية “مضايقات منظمَّة”.
لقد استخدمت الحكومة التركية وكالة الأناضول للأنباء الرسمية في مواضيع كثيرة وفي هذا الموضوع بشكل خاص ك”نشرة أخبار” خاصة بالحزب الحاكم، ومن ناحية أخرى هاجم أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين وقّعوا الخطاب المذكور من خلال الصحفيين المؤيدين للحزب الحاكم. حتى أن بعض الصحفيين المؤيدين للحكومة بعثوا برسائل بريد إلكتروني إلى أعضاء الكونجرس يلمّحون فيها إلى أن “فتح الله كولن إسلامي متطرف يعادي الفاتيكان!”.
والغريب في الموضوع أن الإعلاميين أنفسهم يقولون فيما ينشرون في تركيا إن “جماعة الخدمة تتعاون مع الفاتيكان”. ولا شك في أن لهذه الوضعية مقابل في الأدب السياسي، لكن هذا ليس موضوعنا الآن.
ومن ناحية أخرى، فإن تأييدهم الأعمى لحكومة حزب العدالة والتنمية جعلت هؤلاء الإعلاميين يفقدون القدرة على التفكير لدرجة أنهم لم يدركوا أن ما فعلوه تسبب في رد فعل أكبر في واشنطن.
وبحسب الادعاء الذي ساقته الأقلام العاملة في وكالات الأنباء والصحف الموالية للحكومة التركية، فإن “جماعة الخدمة اشترت ذمم أعضاء الكونجرس الأمريكي بالمال وجعلتهم ينشرون خطابًا يستهدف تركيا”.
ولاشك في أن أي أحد لديه أقل قدر من المعلومات حول السياسة والقضاء وسير الأمور في واشنطن سيضحك ويمر مرور الكرام على مثل هذه الأخبار.
ولاداعي في هذه المرحلة لأن نجلس لنشرح لهم كيف تسير أمور السياسة في الولايات المتحدة، وتأثير منظمات المجتمع المدني على السياسة هناك، وأن “مَن يستطيع التعبير عن مشاكله بشكل جيد يكون له تأثير على السياسة”، وأن “التبرعات المقدمة إلى السياسيين تخضع لقواعد شفافة وصارمة”.
بقي أن نقول إنه ليس هناك تبرعات بملايين الدولارات ولا “رحلات معسولة” كما تدّعي وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة التركية.
ولاشك في أن حركة الخدمة تمثل لوبي قويًا في عموم الولايات المتحدة. وكوادر الحركة تنجح بإمكانيات بسيطة في فعل ما لم تستطع فعله شركات اللوبي المدعومة بملايين الدولارات التي تدفعها لهم الحكومة. (بالمناسبة، في الوقت الذي نشهد فيه عددًا لا حصر له من التطورات التي تستهدف تركيا، ماذا تفعل شركات اللوبي التي تعمل بملايين الدولارات والسفير التركي في واشنطن؟)
فمحبو حركة الخدمة يصلون إلى السياسيين بشكل مباشر عبر الجمعيات المنتشرة في 50 ولاية أمريكية، ويؤثرون في السياسة. وهذه وضعية ليس بها ما يستغرب، بل يجب تقدير أصحابها. فضلا عن أن أفضل من يعرف هذه الحقيقة هم أنصار حزب العدالة والتنمية، وكانوا يقدرون ذلك حتى وقت قريب.
ومن ناحية أخرى، لا أعرف ما يجب قوله ردًا على الافتراء الذي أطلقه رئيس الوزراء أحمد دواد أوغلو حينما قال: “جماعة الخدمة تعمل مع جماعات الضغط (لوبي) الأرمينية”، في حين أنه يعتبر من الذين يفترض أن يعرفوا هذه الحقائق جيدًا. لأن جماعات الضغط الأرمينية في الولايات المتحدة تسعى لإغلاق المدارس التركية المنتشرة في شتى الولايات.
ومن يدري، لعلهم إن نجحوا في إغلاق هذه المدارس فإنهم سيوفرون لأردوغان جهده ومساعيه التي يبذلها لإغلاقها!
كنت قد قلت في مقال سابق لي “إنه ليس بوسع أحد أن يضاهي أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الإضرار بسمعة تركيا في الخارج”. وقد أكد أردوغان هذا الحكم بتصريحاته الأخيرة. ولكن ما يصعب عليّ فهمه هو أن عيني أردوغان قد تكون لأصبحتا لا تريان شيئًا بسبب عدائه لحركة الخدمة، فهل لا يوجد أحد ممن حوله بوسعه أن يرى الحقائق كما هي؟ ألا يدرك أحد أن مصالح تركيا تتضرر بسبب كراهية أردوغان وجشعه؟
جريدة بوجون التركية

















