أنقرة (زمان التركية)- في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، برز إلى العلن سجالات حادة داخل الأوساط المحافظة في تركيا حول آليات التعامل مع الملف الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، انبرى البروفيسور خير الدين كارامان، اللاهوتي البارز والكاتب في صحيفة “يني شفق” المعروف بكونه صانع الفتاوى غير الرسمي للرئيس رجب طيب أردوغان، للدفاع عن السياسي الخارجية للرئيس، مشكلاً درعاً لحماية الرئيس أمام سهام الانتقادات القادمة من القواعد الإسلامية.
وكانت هذه الانتقادات قد تصاعدت بمطالبات مباشرة للرئيس أردوغان عبر منصات التواصل الاجتماعي، تدعوه لإصدار أوامر عسكرية بالهجوم على إسرائيل لإنهاء وجودها وتخليص العالم من شرورها.
إلا أن كارامان واجه هذه الطروحات بالتأكيد على أن “عقل الدولة” يفضل في المرحلة الراهنة المسار الدبلوماسي على خيار الحرب، مشبهاً الرئيس أردوغان بالنبي سليمان عليه السلام، ومختتماً حديثه بالقول: “إن مكانة سليمان تليق بتركيا، رزقنا الله إياها!”.
وفي تفاصيل رؤيته الإستراتيجية، شدد كارامان على ضرورة امتلاك تركيا لأسلحة ردع نوعية، بما في ذلك الأسلحة النووية، لضمان مكانتها كقوة مؤثرة قادرة على إنهاء الظلم، مستدركاً بأن تركيا لا تمتلك حالياً القوة الكافية لردع إسرائيل بمفردها في ظل التوازنات الدولية الراهنة.
وأبدى الكاتب تعجبه من تبسيط الأمور من قبل بعض المنتقدين، ومن بينهم أكاديميون، مؤكداً أن الحرب مع إسرائيل تعني تلقائياً الدخول في مواجهة مباشرة مع داعميها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وشبكات الشتات اليهودي حول العالم، وهو ما يتطلب حسابات إستراتيجية معقدة قبل اتخاذ أي قرار مصيري.
ورغم إقراره بأن الحسابات تتبدل عند حدوث الضرورات القصوى لحماية الحقوق والعدالة، إلا أنه رهن ذلك بانسداد كافة الحلول الأخرى.
واعتبر أن القيادة التركية الحالية تبذل جهوداً مضنية الليل بالنهار لاستنفاد الحلول الدبلوماسية، داعياً لها بالتوفيق.
ودعم كارامان موقفه مستشهداً بمأثورات شعبية تؤكد أن “الحرب خسارة للطرفين”، مشيراً إلى النموذج الأمريكي الإيراني حيث استنزفت واشنطن قدراتها في حرب بالوكالة دون تحقيق نصر حاسم، بل إن المراقبين يرون إيران هي الرابح الأكبر رغم الأثمان الباهظة التي دُفعت.
وربط الكاتب بين تنامي الهيبة الدولية لتركيا اليوم والقفزة النوعية التي حققتها في مجال الصناعات الدفاعية وزيادة قوتها العسكرية، والتي وُظفت بذكاء شديد في معارك الدبلوماسية.
وشدد على أن الهدف من امتلاك عناصر القوة المادية والمعنوية، بما فيها الردع النووي، يجب أن يقتصر على منع أي قوى عالمية من التفكير في مهاجمة تركيا، أو لاستخدامها كملجأ أخير لرفع الظلم، مفرقاً بين هذا التوجه النبيل وبين سياسات الدول الاستعمارية التي تستغل مكامن قوتها لنهب ثروات الشعوب الضعيفة.
وفي ختام أطروحته، استدعى كارامان البعد الديني لإضفاء شرعية على رؤيته السياسية، مستشهداً بآيات من سورة النمل في القرآن الكريم التي تروي قصة النبي سليمان مع ملكة سبأ (بلقيس).
واستعرض كيف فضلت الملكة خيار السلام والحلول الدبلوماسية عبر إرسال الهدايا لتجنب ويلات الغزو والدمار، وكيف تعامل النبي سليمان بترفع مع تلك العطايا مؤكداً أن غايته هي إعلاء كلمة الله لا المكاسب المادية، حتى انتهى الأمر باقتناع الملكة بقوة الحق وإعلان استسلامها وإيمانها.
ومن هذا المنطلق، جدد كارامان أمنيته بأن تتبوأ تركيا مكانة إقليمية ودولية شبيهة بمملكة سليمان القائمة على القوة والحكمة والعدل.









