جوكهان باجيك
يقول المفكر الأمريكي إيمانويل والرشتاين الذي يستلهم أفكاره من الفكر الماركسي إن أوروبا شهدت تطورًا مهمًا بدأ تقريبًا اعتبارًا من خمسينيات القرن الخامس عشر واستمر حتى مطلع القرن السابع عشر.. فما هو هذا التطور؟
يرى والرشتاين أن هذا التطور يتلخّص في أن العهد القديم الذي “كان فيه كل شيئ تحت سيطرة الدولة” في الغرب قد انتهى، لتظهر كيانات تتحرك بشكل مستقل عن الدولة.بيد أن العالم الإسلامي لايزال بنسبة كبيرة يعيش في هذا “العهد القديم”، لأن الدولة تتحكم في كل شيئ وليس هناك أي كيان أو مجال يتحرك بشكل منفصل عن الدولة.
ولهذا السبب لانرى تقريبًا أية علامة تجارية عالمية كبيرة تظهر في دولة من دول العالم الإسلامي، حتى إن “إسرائيل الصغيرة” هذه وصلت إلى مرحلة تستطيع خلالها بمفردها منافسة العالم الإسلامي بأسره في عدد براءات الاختراع.
ويقول والرشتاين: “يجب بذل الجهد من أجل تعزيز قدرات المجالات المستقلة عن الدولة”. وما لم تسر هذه العملية على هذا النحو سنجد أن جميع الأعمال تجري وفق “المنطق البيروقراطي”، ولن يخرج عن هذا الإطار سوى “الأعمال الروتينية التي يقوم بها الموظفون”!
حركة الخدمة
أما حركة الخدمة فتحاول فعل ما يقوله والرشتاين على المستوى العالمي من خلال المعايير العالمية. فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ الدولة منذ عهد الأمويين. فعلى سبيل المثال كم عدد الشركات التي أُسست في تركيا في القرن السادس عشر ولاتزال تواصل أعمالها حتى يومنا هذا؟
ولنطرح على أنفسنا هذا السؤال… لماذا لانجد في منطقة الأناضول العملاقة مدنًا تاريخية كبيرة مبنية من الحجارة كما في فيينا أو براغ؟
لأن الدولة أحاطت بكل شيئ، فإذا لم تقل للناس “هذه الأرض ملك خاص بك” فلماذا ينهض ليبني عليها بناء حجريًا؟ ومتى صدر قانون الأراضي في الدولة العثمانية؟
واليوم لو استغلت حركة الخدمة الفرصة السانحة أمامها “على نحو جيد” يمكن أن تتحوَّل إلى “حركة تمكّنت من الوجود والحضور خارج نطاق الدولة” بالمعنى الذي قصده والرشتاين.
نقطتان مهمتان
إن حركة الخدمة تنتج “قوة ناعمة” كبيرة على المستوى العالمي اليوم. وإذا ذهبتم إلى أية دولة بالعالم ستجدون أن سكانها يعتبرون أن الحركة هي “حركة لاتلجأ إلى العنف وتؤيد الحوار مع الثقافات الأخرى”.
ولأقُلْها بصورة أكثر صراحة، يقول الناس: “هؤلاء يقطعون الرؤوس وأولئك يرتكبون كل الجرائم، ومع أننا لا نرغب في ذلك إلا أن هناك حركة الخدمة ونحن مضطرون للجلوس والتحاور معهم”.
أي أن حركة الخدمة أنتجت “قيمة إستراتيجية عالمية لا يمكن إغفالها”. فمَن يفتتح مدارس ليعلم البنات اليوم في دولة كأفغانستان؟ ومَن يبني مدارس في بلدان ترتكب بها مجازر وحشية من جانب جماعة بوكوحرام المتطرفة التي تحرّم التعليم الحديث؟
فإذا جلسنا أمام 100 مثقف حول العالم وسألناهم “اذكروا لنا الحركات الإسلامية العالمية التي لاتلجأ إلى العنف وتقترح العيش معًا في إطار المعايير الديمقراطية…” فماذا سيكون جوابهم؟
والنقطة الثانية هي أن العديد من الجماعات الإسلامية في العالم، بما في ذلك تركيا، باستثناء الجماعات التي استطاعت الحفاظ على صلاحها، أصبحت تقوم بشيئ قريب من “السمسرة الدينية”. إذ إن هناك جماعات دينية تضع محطاتها الإذاعية وصحفها تحت تصرف الدولة، لتحصل في مقابل ذلك على إمكانيات مادية. ويمكن أن نطلق على هذا الطراز من الجماعات من الناحية الفنية “جماعات السمسرة”.
وفي الواقع، فإن أية جماعة دينية تقدم صحيفتها وإمكانياتها إلى السياسيين من أجل انتظار منفعة من الدولة تكون قد انتحرت بالمعنى الكامل. بيد أن حركة الخدمة تحاول أن يكون لها كيان خاص بها وقائم على ذاتها. ولن يعرف قيمة هذا سوى من يقرأ التاريخ عامة والتاريخ الإسلامي بخاصة.
ولنعد مرة ثانية إلى والرشتاين؛ إذ يقول: “مَن يستطيع أن يبقى مستقلًا عن الدولة يستطيع أن يفكر دون خوف، ويجرب ما يريد، ويخاطر من أجل ذلك”.
وباختصار؛ فإن حركة الخدمة التي تتعرض للهجوم اليوم من قبل حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، يمكنها أن “تحوِّل هذه الظروف إلى فرصة تاريخية” لتتحوَّل إلى عامل يمكن أن يكون له إسهامات كبيرة وكثيرة على المستوى العالمي.

















