مراد يتكين
سأعرض عليكم 3 مشاهد مما حدث بالأمس.
الأول من اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الذي تحدث فيه رئيس الوزراء أحمد داودأوغلو. وفي لحظة دخوله القاعة بحث بنظراته عن أحدهم فلم يجده.
سأل من حوله: “أين هو”؟ لكن لاجواب. وطلب هاتف نائب رئيس الكتلة البرلمانية مصطفى أليطاش. فلماذا لايستخدم هاتفه أو هاتف مستشاره؟ ذلك سؤال آخر. قد يكون مهما أو لا. يتصل بمن بحث عنه ويغطي فمه بيده ويهمس تحسبا لمن يمكنه أن يقرأ حركة الشفاه. يبدو أن الجالسين على الجانبين يسمعان ما يقوله. يبدو الجالس على يمينه مصطفى أليطاش وكأنه لايهتم بالموضوع لكن محمد علي شاهين الجالس على يساره يبتسم ابتسامة خفيفة. ويبدو على نظرات داود أوغلو قلق واضح ينبئ عما يجري. والشخص الذي اتصل به هو وزير الداخلية أفكان آلاء. ويبدو أن آلاء في اجتماع آخر.
المشهد الثاني من مقر رئاسة الوزراء:
مسيرة مفاوضات السلام مع منظمة حزب العمال الكردستاني ما زالت على الطاولة. ولم يصدر أي تصريح بعد لقاء إيمرالي في 4 فبراير حتى الآن (اللقاء مع زعيم المنظمة السجين عبد الله أوجلان). وثمة ادعاءات خلف الكواليس تفيد بأن التصريح سيكون في 15 فبراير/ شباط ذكرى يوم إلقاء القبض على أوجلان في كينيا بمساعدة المخابرات الأمريكية سنة 1999. ومن جانب آخر ثمة ادعاءات تفيد بأن المباحثات وصلت إلى طريق مسدود. إن الحزمة الأمنية التي تعَد من العوائق في مسيرة السلام قد تم تأجيلها من قبل داود أوغلو للمرة الثانية مع أنه كان يفترض البحث فيها يوم أمس. وفي هذا الصدد ثمة ادعاءات كذلك مفادها أن سبب التأجيل ليس العمال الكردستاني فقط بل التخوف من عدم التحكم في كتلة الحزب في غياب أردوغان.
أي أنه اجتماع مهم .. وهذه المرة آلاء يحضر في الوقت المحدد.
رئيس جهاز المخابرات خاقان فيدان الذي استقال من رئاسة الجهاز أيضًا كان في ذلك الاجتماع.. وقدم استقالته في 7 فبراير /شباط في الذكرى السنوية الثالثة للمطالبة بالتحقيق مع فيدان كما نوه داودأوغلو. لكنه ترك مهامه في 10 فبراير/ شباط الساعة الخامسة مساء. وكان فيدان قد طلب الإذن من داود أوغلو في الساعة 16:30 ثم غادر وزملاؤه يهنؤونه. وفي 16:40 أصبح خارج مبنى رئاسة الوزراء . وتم الإعلان عن تعيين إسماعيل حقي موسى رسميا رئيسا لجهاز المخابرات بالوكالة.
المشهد الثالث هو هذا.. أي مشهد استقالة فيدان.
وقد قبل داود أوغلو استقالة فيدان التي أعلن أردوغان للعالم أجمع أنه ضدها، ولم يتراجع فيدان عن قراره.
وأصبح فيدان غاليا لدرجة أنه سبب خلافا بين أردوغان وداود أوغلو لأن أيا منهما لايستطيع الاستغناء عنه لكنه رجح داود أوغلو على أردوغان كما يبدو.
وقد حدث هذا للمرة الأولى. فللمرة الأولى يظهر خلاف بالرأي في قمة العدالة والتنمية. وهذا الخلاف ليس من وراء الكواليس بل ذُكر على لسان الرئيس أردوغان، ولم يحدث ما قاله أردوغان، وعلى الأقل هذا هو ما يبدو في الظاهر حاليا.
والمعارضة لاتحرك ساكنا وكأنها اتفقت على ذلك تجاه هذا الموضوع.
فزعماء المعارضة لم يذكروا شيئا عن هذا التناقض رفيع المستوى في صفوف الحزب الحاكم أثناء خطاباتهم في اجتماعات الكتلة البرلمانية بل لم يشيروا إليها نهائيا. كما أن ردات الفعل لدى رؤساء الكتل البرلمانية من أحزاب المعارضة في اليوم الأول من الأسبوع كانت غريبة جدا.
وكان حسيب كابلان من حزب الشعوب الديمقراطية أشار إلى أن أردوغان يصرح تصريحات مثيرة قبل كل رحلة طويلة له ويقوم بذلك لتغيير جدول الأعمال. وكأنه قال إنهم لن يقعوا في الفخ هذه المرة.
كما نوه أوكتاي فورال من حزب الحركة القومية بأن المخابرات في ظل إدارة أردوغان وداود أوغلو وفيدان قد تحولت إلى مخابرات خاصة بالعدالة والتنمية أكثر من كونها مخابرات للدولة. وأكد بتصريحه هذا أنه ليس هناك ما يثير الاستغراب أصلا.
ويرى عاكف حمزة تشيبي من حزب الشعب الجمهوري أن أردوغان يمارس الارتجال. وهدفه هو أن يُظهر نفسه على أنه زعيم ديمقراطي يمكن معارضة قراراته وعدم تنفيذها من جهة؛ وأن يعمل على إظهار داود أوغلو على أنه زعيم يتخذ قراراته باستقلالية عنه من جهة أخرى.
في حين أن الأحزاب المعارضة لاتستبعد كليا أن يكون كل ما يحدث حقيقة وليس لعبة مدروسة، وقد يكون الصراع الذي يدور في قمة العدالة والتنمية مستمرا، لكنها مع ذلك تفضل متابعة الأمور ولسان حالها يقول: “فليقضي بعضهم على بعض أو ليأكل بعضهم بعضا”
والسؤال الذي يدور بأذهانهم هو هل حقا أصر فيدان على قراره على الرغم من معارضة أردوغان؟
بيد أن الأمر يبدو هذه المرة حقيقيا وجديا وهناك صراع داخلي على السيادة في قمة الحزب.
لأننا نظن أننا نعرف أردوغان ولو إلى حد مابعد كل هذه السنوات.
من الصعب أن نتخيل أنه يستطيع أن يشوه سمعته بنفسه، حتى يعلن هذا الخلاف في الآراء الذي قد يؤدي إلى أن يظن الناس أنه ضيع السيطرة على الحزب. ولايعقل أن يُفشي بذلك مع علمه أن الجرح سيترك أثرا وليس هذا بالأمر العادي والبسيط.
لكن رغم كل هذه قد تكون في الأمر عملية تغيير جدول الأعمال مثلما حدث في الماضي أكثر من مرة.
ولكن التناقضات الداخلية ليست محصورة بمسألة فيدان فحسب.
فنائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد علي باباجان قد مدح في قمة (G-20) بإسطنبول وبالغ في الثناء على البنك المركزي ورئيسه أردم باشجي بعد إساءة أردوغان لهذا البنك ورئيسه؛ فهل سنعد ذلك صدفة أم تكتيكا؟
ولماذا يا ترى لم يكن أردوغان موجودا في هذا الاجتماع الذي يحدد مسيرة الاقتصاد العالمي والذي حضرته شخصيات بارزة؟ هل ضحى بهذه الفرصة لأن موعد الاجتماع تضارب مع زيارته لأمريكا اللاتينية. فقد كان موعد القمة معروفا قبل وقت طويل. أفلم يكن بالإمكان إجراء بعض التعديلات الطفيفة على مواعيد الزيارة؟ أم أن أردوغان شعر بأنه قد يستاء من بعض الأسئلة التي قد يواجهها هناك؟
ومن الممكن أن نبحث عن تكتيك آخر في تصرف أردوغان…
فهل من الممكن على سبيل المثال أن تكون غاية أردوغان من هذا التصرف هي إرسال رسالة مفادها أن أقرب المقربين إليه يعملون ضده؛ بالإضافة إلى إجراء حملة لكسب الأصوات الانتخابية لنفسه لا لداود أوغلو أو لحزب العدالة والتنمية في انتخابات 7 يونيو/ حزيران لأنه لايريد أن يلمع اسم أحد غيره.
هذا النوع من السيناريوهات قد يعَدّ مبالغة بالطبع لكنه يشير إلى وجود مشكلات حقيقية في الداخل وإلى أن أردوغان متخوف من فقدان قوته السابقة.
ورأيي أن علينا النظر إلى المؤشرات الملموسة التي بين أيدينا، فيبدو أن المشكلة تكمن في القضية الكردية التي تُعدُّ أكبر مشكلة بالنسبة للحكومة بالإضافة إلى مسألة فيدان الأخيرة.
قد لانمتلك حاليا المعلومات الكاملة لتوضيح الصورة تماما، إلا أننا ندلي بدلونا، ونشارك معكم كلما جد جديد. وأنتم تشهدون ذلك.

















