بقلم: طـه أكـيول
إن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها نائب رئيس الوزراء التركي بولنت آرينتش بخصوص حزب العدالة والتنمية على درجة كبيرة من الأهمية؛ إذ إنني متأكد من أن المؤرخين سيولون تصريحات آرينتش أهميّة كبيرة وهم يؤرخون لهذه الأيام التي نشهدها حاليا.
لقد شاهدتم السيد آرينتش على قناة سي إن إن التركية “CNN Türk” وطالعتم التصريحات التي أدلى بها في الصحف التي قال فيها إن العدالة والتنمية يحصل على أصوات بمعدل 50 في المئة ولكن الـ50 في المئة الأخرى من الشعب تكرهه. وتناول آرينتش بأسلوبه الفكاهي وروح الدعابة الحديثَ عن رئيس الجمهورية أردوغان تارة، والأشخاص الموجودين داخل حزب العدالة والتنمية والكُـتّاب الذين “تسيل من أقلامهم وألسنتهم الدماء” تارة أخرى. ويمكن أن نوجز حديثه في عبارته التي قالها، على النحو التالي:
“في السابق كنّا ننزل الشوارع والميادين وكان جمهورنا يحبنا كثيرا، كما كانت الفئات المعارضة تحترمنا على الأقل. لكنني اليوم أشعر بأن هناك نظرة كراهية لحزبنا. هناك حالة من التحجر والاستقطاب. وهذا لايعتبر عائقا لـحصولنا على معدل أصواتنا البالغة 50 في المئة. إلا أن تركيا قد تتحول إلى دولة يصعب أو يستحيل إدارتها. وعلينا نحن أن نليّن ذلك الموقف”.
وينبغي – هنا – أن نقرأ التصريحات التالية التي يدعم فيها آرينتش رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو إلى جانب الكلمات المذكورة آنفا حيث قال: “رئيس الوزراء إنسان باسم الوجه، ليّن الحديث، لذلك يجب عليه أن يتجنب القول “لأنسَاقْ أنا أيضًا وراء التيار والموضة الحديثة وأصيح وأهدر مثلهم”، ويجب ألا تكون هناك لغة سياسة تحكم وتأمر الناس من الأعلى وتجبرهم على شيئ”.
مشكلة “فقدان القدرة على الإدارة”
صرّح آرينتش في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 قائلا “إذا لم ترهف السمع لانتقاداته وتسمع كلامه وحاولت أن تقاطع حديثه؛ سيتجمع كل ذلك في نهاية المطاف لتصبح تركيا دولة لا يمكن إدارتها”. ويقول العالم السياسي جيوفاني سارتوري، واضع مفهوم “عدم القدرة على الإدارة”، ينبغي أن تكون الديمقراطية هي القادرة على الإدارة والحكم، كما ينبغي ألا تصبح غير قادرة على الإدارة أو جعلها كذلك عن طريق الزج بالمجتمع في الصراع.
وأنا أكتب منذ عام 2011 وأقول إننا سننجر إلى مثل هذه النقطة، ولكن للأسف الشديد نسير بسرعة شديدة نحو هذه النقطة. وكلما زاد الضجر وعدم الطمأنينة في المجتمع زادت الصلاحيات الممنوحة لرجال الشرطة بصورة أكثر وزادت أعداد المدرعات والمصفحة والغاز المسيّل للدموع وكذلك التدخلات السافرة في جهاز القضاء، وقد يجدي ذلك نفعا بالنسبة لهم إلا أن هذا الجوّ لن يدوم طويلا أبداً. أما الطامة الكبرى فهي مبادرة حزب العدالة والتنمية لتغيير النظام وتحويله لشبه رئاسي في ظل هذه الظروف!
وضع المجتمع
وفقا لدراسة استطلاعية أجراها مركز الأبحاث الإستراتيجية والاجتماعية التركي “Metropoll” في يناير/ كانون الثاني الماضي تبين أن تركيا في وضع دولةٍ تعاني من نظريات المؤامرة، وتسود فيها حالات استقطاب ديني وعرقي وسياسي. وأظهرت نتائج الدراسة أن معدل المعتقدين بأن اعتداءت صحيفة شارلي إبدو الفرنسية الساخرة قامت بها مجموعة إسلامية متشددة بلغ 31 في المئة، وأن المؤمنين بأن أجهزة المخابرات الأجنبية هي التي نفّذتها بلغ 41 في المئة. وهذه المعدلات تصل إلى 56 في المئة لدى ناخبي ومؤيدي حزب العدالة والتنمية، كما أظهرت الدراسة أن 55 في المئة من المجتمع يؤمنون بأن الاعتداءات الصليبية لاتزال متواصلة حتى اليوم.
وأوضحت نتائج الدراسة أن معدل الذين أعربوا عن قلقهم من المتدينين وصل إلى 38 في المئة، وهي ما تعد نسبة غير معتادة. وبلغ معدل الذين يتبنون الدولة العلمانية 71 في المئة، إلا أن معدل الرافضين لهذه الفكرة وصل إلى 19 في المئة بالرغم من أن هذا المعدل كان 8 في المئة في الدراسة التي أجريت في 2007.
نظريات المؤامرة
هل يمكن أن يتم تطوير فكر تحليلي في مجتمع يستمع يوميا لألف نظرية مؤامرة ومؤامرة في الصحف والقنوات التي يثق فيها، ويعرف عقب كل واقعة أن مرتكبها إما لوبي الفوائد أو الكيان الموازي أو القوى الخارجية أو العقول المدبرة، ويحصر نفسه في القوى الخفية؟
لو صارت اللهجة الغاضبة التي تذمر بها آرينتش، بصورة محقة، هي المؤثرة والمسيطرة ألا يتسبّب مفهوما “التدين” و”العلمانية” الذين ينبغي أن يكونا متصالحين ومنسجمين في نشوء فئات تنظر لبعضها بعين الريبة والقلق. أرأيتم الثقافة المريضة التي خلقتها “الأقلام والألسنة التي تنسال منها الدماء”؟
حان وقت التفكير
وألا تزداد التخوفات في ظل ظرف سياسي يعتبر علي باباجان؛ العقل الاقتصادي للبلاد الحديثَ فيه غير مجدٍ ونافع. لذلك نرى أن معدل الذين يقولون إن الاقتصاد يزداد سوءًا ارتفع إلى 52 في المئة. مع أن هذه النسبة كانت عند 33 في المئة في شهر نوفمبر 2013. والواضح أن تصريحات آرينتش ليست جدلية، وإنما تحذيرية وراصدة للسلبيات الحادثة.
وبعد انتقال مقاعد السياسيين الذين يتمتعون بحنكة سياسية ويشكلون الفريق المؤسس لحزب العدالة والتنمية مثل آرينتش وباباجان إلى “الأبطال الشباب” في الانتخابات البرلمانية المقبلة بموجب النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية “عدم الترشح أكثر من ثلاث فترات متتالية” فإلى أين سيسير الحزب الحاكم يا ترى؟ لذا يتعين على أعضاء حزب العدالة والتنمية أن يفكروا في هذا الأمر أكثر من الآخرين.
وعلينا جميعاً أن نفكّر قائلين “إلى أين تسير الدولة؟”

















