عثمان نوري أراس
بعد انقطاع دام 5 سنوات شاركت تركيا في قمة دافوس على مستوى رئيس الوزراء.
وهذا الاجتماع ينظمه سنويا المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum-WEF) في بلدة دافوس بسويسرا. وإن القمة التي ينظمها هذا المنتدى هي محط أنظار رجال السياسة والأعمال في العالم، وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، والعلماء. وهذه الاجتماعات تُعقد في دافوس منذ 1971 عن طريق المنتدى الاقتصادي العالمي. وتجري نقاشات بين المشاركين حول المشاكل السياسية والاقتصادية المهمة في العالم. كما تطرح الآراء والاقتراحات حولها. ويكون بعض رجال الأعمال علاقاتهم المهمة في هذه الاجتماعات.
وقد ورد ذكر هذه الاجتماعات في جدول أعمال تركيا في عهد رئيس الجمهورية الأسبق الراحل تورجوت أوزال. وكان لمشاركة تركيا في هذه الاجتماعات أهمية كبيرة لأنها فتحت آفاق تركيا على العالم وجعلتها جزءا اقتصاديا وسياسيا من العالم الذي يسير نحو العولمة. وذلك من إنجازات أوزال. وكان أول حضور لتركيا في هذه الاجتماعات على مستوى رؤساء الوزراء في عهد أوزال حينما كان رئيس الوزراء. واستمرت مشاركة تركيا في هذه الاجتماعات طوال 21 سنة . وفي سنة 2009 شارك أردوغان في هذه الاجتماعات ودخل في سجال مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز. وادعى حينها أن مدير الجلسة لم يعطه الوقت الكافي ليتحدث وأظهر ردة فعل قائلا: “بالنسبة لي انتهت اجتماعات دافوس. فلن أعود للمشاركة فيها”. وامتنع عن المشاركة طوال 5 سنوات ، ولكنه بعدما أصبح رئيسا للجمهورية أصبح داود أوغلو رئيسا للوزراء وشارك في اجتماعات دافوس في أول عام تولى فيه منصب رئاسة الوزراء. وإذا تم تحليل مشاركة رئيس الوزراء داود أوغلو بعد 5 سنوات في اجتماعات دافوس على مستوى رؤساء الوزراء من جهة، وزيارة الرئيس أردوغان لأفريقيا وحديث الإعلام عنها من جهة أخرى؛ لوجدنا بعض المفارقات في الرؤية السياسية لدى أعضاء الحزب الحاكم.
أولاً أردوغان لم يكن يمثل نفسه في دافوس 2009 . وحين قال: “إن دافوس مسألة منتهية بالنسبة لي ولن أعود إلى هنا مرة أخرى” فإنه اتخذ قرارا بصفته رئيس وزراء تركيا، وكان أردوغان رئيس حكومة أسسها حزب العدالة والتنمية. وكذلك داود أوغلو ينتمي للحزب نفسه ولكنه شارك في اجتماعات دافوس في السنة الأولى لتسلمه مهام رئاسة الوزراء. نفهم من ذلك أن ما قاله أردوغان بصفته رئيس الوزراء في 2009 في اجتماعات دافوس لم تكن تخدم مصالح تركيا. وإذا ما نظرنا إلى التأثير الكبير الذي يتمتع به أردوغان في اختيار داود أوغلو رئيسا للوزراء وفي القرارات التي يتخذها داود أوغلو ندرك أن أردوغان نفسه أيضا مقتنع بأنه كان مخطئا في عدم ذهابه إلى دافوس.
ثانيا ذهاب داود أوغلو إلى دافوس يدل على أن أردوغان كان يقدم عناده الشخصي على مصالح الدولة. علما بأن أردوغان حين سئل عن احتمال ذهابه إلى دافوس في 2010 قال: “الكلمة تخرج من فمنا مرة واحدة فقط وقلت ما قلته باسمي أنا شخصيا. وقلت إنني لن أذهب إلى دافوس ثانية والأمر محسوم بالنسبة لي. فأنا لن أذهب إلى هناك مرة أخرى”.
ثالثا: وكما وصف علي باباجان أيضا اجتماعات دافوس في معرض تقييمه للقمة هذا العام هي فرصةٌ مهمة جدا للتنمية الاقتصادية، ولها أثر مهم في جلب الاستثمارات الخارجية إلى البلد. وللأسف في السنوات الخمس الماضية لم يغتنم رئيس الوزراء هذه الفرصة من خلال عدم مشاركته في اجتماعات دافوس.
رابعا: وكما عبّر الإعلام الموالي على وجه التحديد فإن داود أوغلو لم يشارك في الاجتماع بوصفه رئيس وزراء تركيا فقط بل بوصفه رئيسا دوريا لمجموعة الدول ذات الاقتصادات القوية والنامية (G20) في نفس الوقت. وهنا تكمن المفارقة لأن هذه المجموعة (G20) من أولوياتها الأساسية مكافحة الفساد، والدولة التي تترأس هذه المجموعة في السنة الحالية هي تركيا التي عاشت عمليات الكشف عن الفساد في 17و25 ديسمبر/كانون الأول وأن الحكومة التركية تغاضت عن محاكمة 4 وزراء متهمين بأعمال فساد.
خامسا هناك مفارقة أخرى تتمثل في ذهاب داود أوغلو واصطحابه معه رجال أعمال إلى دافوس وفي الأيام نفسها أجرى أردوغان رحلة لدول في أفريقيا وطالب بإغلاق المدارس التركية أو تأميمها مع أن هذه المدارس توافق أفق أوزال وروح دافوس. وهذا التصرف يعكس مشاكل السياسة الداخلية للمجتمع الدولي. فهو لايتوافق مع صفة “رجل دولة كبير” ولا مع صفة “زعيم عالمي” وهذا السلوك إشارة واضحة إلى أنه يفضل أحاسيسه ومصالحه الشخصية على مصالح الدولة .
وأخيرا إذا ما نظرنا إلى ما جرى من أحداث منذ 6 سنوات وعلى رأسها ما يتعلق بقمة دافوس فإننا نجد أن السلطة الحالية تقود تركيا من خلال رؤية مشوشة الأفق مشتتة الأفكار مقيدة العقل متعكرة الروح ميتة المشاعر خامدة الأحاسيس. وهذه الرؤية ليس بطريقة إدارية يمكن استمرارها في المدى المتوسط أو الطويل.















