تايفون أطاي
قضت حكومة حزب العدالة والتنمية بنفسها على فرصة تركيا الاستثنائية لأن تكون نموذجا للتعايش بين الإسلام والعلمانية بسبب جشعها الإمبريالي لتحقيق مخططاتها على الصعيد الخارجي وسخطها الطائش والمتهور على الصعيد الداخلي.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ]يمكن القول إن حكومة حزب العدالة والتنمية قضت، بيدها، على فرصة تركيا الإستثنائية لأن تكون نموذجا لبلد يجمع بين الإسلام والعلمانية بسبب جشعها الإمبريالي لتحقيق مخططاتها على الصعيد الخارجي واستيائها الطائش والمتهور على الصعيد الداخلي. وأصبح ينطبق على هذه الحالة المقولة “لا طالت بلح الشام ولا عنب اليمن” أي أنها لم تحصل على الأشياء الكبيرة التي كانت تنشدها في السابق وضيعت ما بيدها من الخير. [/box][/one_third]كنت قد أشرتُ في المقال الذي كتبته الأسبوع الماضي (في 22 يناير/ كانون الثاني) تحت عنوان «ما الإسلام الحقيقي؟» إلى أنه ليس في مقدور أحد الإجابة على هذا السؤال، وأن الله عز وجل – وحده – هو الذي يعلم بحقيقة هذا الأمر.
كما أشرت – في معرض حديثي – إلى التعددية في تفسير ذلك بمقتضى تعدد أفعال المسلمين المتشرفين بالإسلام فيما يتعلق بممارستهم للدين الإسلامي وتطبيق أحكامه. وأوضحت أنه لايمكن الحديث عن فهم أو تمثيل واحد للإسلام بل يستقيم الحديث إذا تحدثنا عن التعدد والتنوع في فهم وتمثيل الدين الإسلامي انطلاقا من الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للمسلمين.
كما نوّهت إلى أنه إذا خرج واحد وادعى أنه قائد أو خليفة أو أمير أو سلطان أو أيّا كان وصفه يمثل الإسلام الحقيقي سيواجهه خصوم بعدد كبير ليقولوا إن «الإسلام الحقيقي هو الذي عندنا وليس الذي عندك».
ووقع يوم نشر المقال حادث عزز رأيي هذا كمظهر من المظاهر المؤلمة للقدر. وهي عملية التفجير التي نظمتها حركة الشباب المتمردة في الصومال التابعة لتنظيم القاعدة في اليمن على الفندق الذي كان يقيم فيه الوفد التركي في الصومال قبل زيارة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان للبلاد والذي أسفر عن مصرع خمسة أشخاص منهم ثلاثة صوماليين واثنين آخرين من مرتكبي التفجير وأصيب فيه تركي واحد.
كما أن رد فعل أردوغان الذي بدر منه في اليوم الذي علم فيه بالتفجيرات أثناء زيارته لأثيوبيا يشكّل معطيات للنقاش غير المجدي في مقالي “الإسلام الحقيقي” الذي نحن بصدد الحديث عنه، حيث قال متأثرًا: «اليوم وقعت عملية إرهابية أخرى في الصومال، في سبيل أي شيئ يفعلون ذلك؟ لو كانوا يفعلون ذلك من أجل الإسلام فأنا رجل مسلم، والإسلام لايوجد به شيئ من هذا القبيل، فضلا عن أن المسلم لا ينتحر، ولايوجد إسلام يحثّ على ذلك، وديننا لايقول اذهب واقتل الناس».
ولننحي جانبًا سؤال مدى رؤية منفذي هذا التفجير الإرهابي على أن ما يقومون به هو انتحار أو جهاد في سبيل الله ونيل شرف الشهادة. لكن لاشك في أنه سيخرج من الناس من يعلنون أن الفهم الصحيح للإسلام هو الذي عندهم ويؤكدون الفرق بين الانتحار والشهادة ردًا على كلمات أردوغان.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ]على أولئك الذين يغامرون باعتبار الجمهورية التركية “فاصل إعلاني” لمواصلة فيلم الدولة العثمانية مرة أخرى في عام 2023 – الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية – أن يعلموا أن ادعاء العثمانية الجديدة “اعتقاد ميت” والجزء الثاني من الفيلم الذي يتحرقون شوقًا لمشاهدته، قد يظهر في صورة حركة دينية متطرفة متشددة ويجب عليهم أن يعدوا أنفسهم لذلك حتى لا يندهشوا إذا واجهوه.[/box][/one_third]وبالنسبة لنا فالنقطة المهمة – هنا- التي تستوجب إمعان الفكر والوقوف عليها هي أنه أقيمت في دولة رئيس الجمهورية الذي تحدث بالصورة المذكورة آنفا صلاة الجنازة غيابيا على مَن قاموا بتنفيذ أمر “اذهب واقتل الناس” ودعي لهم بأن يدخلهم الله الجنة ورفعت شعارات ولافتات مكتوبة عليها “إن إخوة كوواشي هم شرفنا” وكل ذلك يقع باسم الإسلام في فرنسا قبل أيام قليلة من كلمة أردوغان. وهو ما يدلل على أن كلمة أردوغان “والإسلام لا يوجد به شيئ من هذا القبيل” لا يُعمل بها في دولته – تركيا- أصلًا.
إن الخلط بين الدين والسياسة أوصل الدولة إلى مواقف يُرثى لها وأدخل بعض الأمور الدينية في دائرة مغلقة لدرجة أن بعض العناصر بدأت تتجرّأ عليكم، في أرضكم، وتتهمكم بأنكم لستم إسلاميين بالدرجة الكافية ولاتمثلون الإسلام في الحقيقة. وربما – لهذا السبب – نجد أن الشخصيات البارزة في هذه الدولة بدءًا من رئيس الوزراء حتى رئيس الشؤون الدينية في حالة تشدد متطرف بسبب الضغوط التي يبديها أولئك الراغبين في الإسلام الحقيقي.
وعندما بدأت تركيا تبدو، بمواقفها وتصرفاتها، في المشهد العالمي، بمفهوم سياسة حزب العدالة والتنمية اعتبارا من مطلع عام 2000 كانت الفكرة السائدة والمنتشرة آنذاك أن تركيا تشكل نموذجا استثنائيا وحيدا لـبلد أو “مجتمع يتعايش فيه الإسلام والعلمانية مع بعضهما” – بالرغم من جوانبه الناقصة والمخلّة – في العالم.
كما أن التطورات التي اندلعت مع “الربيع العربي” – وكذلك موقف أردوغان الذي عارض فيه الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز بقوله “دقيقة من فضلكم” “One minute” في عام 2009 خلال منتدى دافوس ظهرت أبعاده من الناحية النفسية والثقافية خاصة في تأثير “ارتدادي” “boomerang” بصورة أكثر وضوحًا في الوقت الراهن، وساهمت كل هذه العوامل في تدهور سياسي وأخلاقي في تركيا التي أقدمت على تجربة فهم فريد للإسلام من بين طرق فهم متعددة للإسلام وهو مفهوم “الإسلام العلماني”.
وهنا يمكن القول إن حكومة حزب العدالة والتنمية قضت، بيدها، على فرصة تركيا الإستثنائية لأن تكون نموذجا لبلد يجمع بين الإسلام والعلمانية بسبب جشعها الإمبريالي لتحقيق مخططاتها على الصعيد الخارجي واستيائها الطائش والمتهور على الصعيد الداخلي. وأصبح ينطبق على هذه الحالة المقولة “لا طالت بلح الشام ولا عنب اليمن” أي أنها لم تحصل على الأشياء الكبيرة التي كانت تنشدها في السابق وضيعت ما بيدها من الخير.
[one_third][box type=”shadow” align=”alignleft” ]كلما ادعى أصحاب السلطة أنهم يمثلون الفهم الأمثل للإسلام وحاولوا الظهور بهذا المظهر تبخر ما لدينا من الخيرات والمحاسن والصفات الحميدة التي كنا نتميز بها في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر وفقدنا كل ما كان يبعث الأمل في قلوبنا وقلوب غيرنا من المسلمين في مشاهدة أمثلة واعدة لتطبيق محاسن الإسلام في الواقع المعاش.[/box][/one_third]وبعدما خرجت تركيا، من ناحية، صفر اليدين من هذه التجربة وفشلت في تحقيق هدفها الذي بدأته إنطلاقا من مبدأ السعي وراء القيادة الإسلامية بحافز العودة إلى “العثمانية الجديدة” في الشرق الأوسط والدول العربية، أشعلت من ناحية أخرى فتيل الصراع بين المتدينين والعلمانيين في الدولة. وأصبح أصحاب السلطة في البلاد، التي بدأ يشعر الناس في جميع أرجائها باهتزاز وترنح الحزب الحاكم، تتبنى التجارة بالدين أكثر في سبيل الحفاظ على قاعدة الأصوات الانتخابية. ويتضح من خلال ذلك أن الطريق بات ممهدًا لظهور “حركة دينية متطرفة” تتخطى العدالة والتنمية في ادعاء تمثيل الإسلام الحقيقي.
ولهذا فعلى أولئك الذين يغامرون باعتبار الجمهورية التركية “فاصل إعلاني” لمواصلة فيلم الدولة العثمانية مرة أخرى في عام 2023 – الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية – أن يعلموا أن ادعاء العثمانية الجديدة “اعتقاد ميت” والجزء الثاني من الفيلم الذي يتحرقون شوقًا لمشاهدته، قد يظهر في صورة حركة دينية متطرفة متشددة ويجب عليهم أن يعدوا أنفسهم لذلك حتى لا يندهشوا إذا واجهوه.
لقد حاول أصحاب السلطة – أردوغان – عقب اندلاع ثورات الربيع العربي أن يلعبوا دور أمير المؤمنين في الشرق الأوسط إلا أن التخبطات الناجمة عن التشكيلات السياسية الشرعية وغير الشرعية في المنطقة يمكن ترجمتها وقراءتها على أنها رسالة منهم لأردوغان ومفادها “على رسلك، فلا جدوى من تدخلك في شؤوننا الداخلية لتحقيق مآربك الشخصية”.
أما على الصعيد الداخلي فبعد أحداث حديقة “جيزي” في ميدان تقسيم في إسطنبول 2013، انسد المجال لإمكانية أن تجد حكومة العدالة والتنمية إلى جانبها نصف المجتمع الذي يشعر بالحاجة إلى التضامن باسم الشراكة في الرؤى والأفكار في المسائل الشائكة وفي أوقات المصائب مثل مسيرة السلام مع الأكراد وتهديد تنظيم داعش.
كلما ادعى أصحاب السلطة أنهم يمثلون الفهم الأمثل للإسلام وحاولوا الظهور بهذا المظهر تبخر ما لدينا من الخيرات والمحاسن والصفات الحميدة التي كنا نتميز بها في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر وفقدنا كل ما كان يبعث الأمل في قلوبنا وقلوب غيرنا من المسلمين في مشاهدة أمثلة واعدة لتطبيق محاسن الإسلام في الواقع المعاش.
















