بقلم: الخبير الأمني أمره أوسلو
لاريب في أن مدينة إسطنبول هي أكبر وجهة سياحية في تركيا. فالسياح الذين يريدون زيارة تركيا يرغبون قبل كل شيئ في القدوم إلى إسطنبول ورؤيةِ معالمها ومناطقها الأثرية. وهذا يعني أن المشاكل الأمنية المحتملة في هذه المدينة تؤثر بشكل أو بآخر على السياحة والاقتصاد في البلاد عموماً. ونظراً لما ذكرنا فإن الحكومات التركية تولي اهتماماً خاصاً بكل الأمور التي قد تخلّ بـ”أن الناس في إسطنبول ينعمون بالأمن والسلام”.
فمثلاً حاولت السلطة الحاكمة ضمان الأمن والسلام في إسطنبول حتى خلال تسعينيات القرن الماضي التي بلغت فيها الهجمات الإرهابية ذروتها. ونتيجة لذلك كانت إسطنبول وغيرها من المدن الكبيرة آمنة نسبياً مقارنة مع منطقة جنوب شرق البلاد حيث كانت تتعرض لهجمات إرهابية مكثفة.
ولكن بعد أن نفّذت الشرطة في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2013 عملية استهدفت الفساد الحكومي واعتقلت في إطارها عدداً من رجال أعمال وأبناء وزراء بادر الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته إلى تشتيت ونقْلِ ضباط الشرطة المتمتعين بالخبرة في مجال الاستخبارات والعمليات وضباط وحدات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وعين بدلاً عنهم ضباط يفتقرون إلى الخبرة الكافية.
والأهم من ذلك أن حكومة حزب العدالة والتنمية طالبت ضباط الشرطة المعينين حديثاً بالتركيز على الحملات والعمليات ضد “عدوها الجديد” ، حركة الخدمة بدلاً عن المنظمات الإرهابية.
في عام 2014 لم تشهد تركيا عمليات مخططة جيدا تستهدف المنظمات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة في إسطنبول أو عموم تركيا. ومع أن السلطات نظّمت عمليات ضد حزب جبهة التحرير الشعبية الثورية اليسارية (DHKP-C) إلا أنها (العمليات) لم تشمل حزب العمال الكردستاني(PKK) .
وفي مقابل ذلك شنّت السلطات الأمنية في إسطنبول عمليات لا تعد ولا تحصى ضد ضباط الشرطة والمؤسسات الإعلامية ورجال الأعمال وغيرها للانتقام نيابةً عن أردوغان من أولئك الذين أشرفوا على التحقيقات التي كشفت عن تورطه هو ورفاقه في ممارسات الفساد.
ولاشكّ في أن عملية تشتيت ضباط الشرطة ذوي الخبرة من إسطنبول قد خلقت فجوة أمنية كبيرة صبّت في صالح منظمات المافيا والشبكات الإرهابية. وعلاوة على ذلك فإن بعض المعينين الجدد في مناصب مهمة بشرطة إسطنبول كانوا مرتبطين مع شبكات وعصابات المافيا والمنظمات الإسلامية المتعاطفة مع تنظيم القاعدة.
وقد تمخّض هذا الوضع السيئ لتركيا عن وقوع تصفية حسابات كبيرة بين عناصر شبكة مافيا أسفرت عن مقتل اثنين في قلب إسطنبول خلال الشهر الأخير إضافة إلى هجمتبن إرهابيتين حدثت إحداهما في قصر دولما بهشه إحدى الوجهات السياحية المشهورة والأخرى كانت هجوماً انتحارياً استهدف مركز الشرطة في منطقة السلطان أحمد التاريخية الواقعة في الشطر الأوروبي من إسطنبول.
ومع أن حزب جبهة التحرير الشعبية الثورية- المنظمة الإرهابية التي نفذت هذه العمليات كانت تحت المراقبة المشددة للشرطة في السابق- إلا أن شرطة إسطنبول فشلت في الحيلولة دون حدوثها نظراً لأن ضباط الشرطة من ذوي الخبرة في مجال المنظمات الإرهابية تم نقلهم أو إبعادهم كجزء من عملية انتقام أردوغان ولم يكن عناصر الشرطة الجدد قادرين على تتبع تلك المنظمات الإرهابية.
وللتدليل على عجز إدارة شرطة إسطنبول في منع وقوع مثل هذه الهجمات ينبغي للمرء أن يتذكر أن أسماء الإرهابيين التابعين لحزب جبهة التحرير الشعبية الثورية والأهداف المحتملة لهم كانت معروفة للشرطة والجمهور معاً لكن الشرطة لم تتمكن من منع الهجوم. فقبل عشرين يوماً من الهجوم الإرهابي زوّد حسابٌ على موقع التواصل الاجتماعي تويتر متابعيه بمعلومات عن اسم الإرهابي مؤكّداً للناس أن شرطة إسطنبول تَعرف أسماء الإرهابيين وأهدافهم.
وعلى الرغم من هذه المعلومات المفتوحة فشلت الشرطة في منع هجوم حزب جبهة التحرير الشعبية الثورية ضد قصر دولما بهشه. وفي نفس اليوم الذي وقع فيه الهجوم تبادل خبراء الإرهاب والمصادر التابعة لحزب جبهة التحرير الشعبية الثورية معلومات تشير إلى أن الهجوم التالي سيكون هجوماً انتحارياً بل حتى أعطوا أسماء المهاجمين الانتحاريين المحتملين. وكما هو المتوقع فإن الهجوم وقع وأسفر عن مقتل ضابط شرطة وإصابة آخر في غضون أسبوع واحد فقط وباءت التدابير الأمنية لشرطة إسطنبول بالفشل.
والأسوأ من ذلك أن إدارة شرطة إسطنبول تقاسمت مع وسائل الإعلام اسم الإرهابية الانتحارية ولكن تبيّن فيما بعد أن الاسم خطأ ما أظهر عجزها لدرجة أنها غير قادرة حتى على تحديد اسم الانتحارية بشكل صحيح.
إن شرطة إسطنبول كانت بمقدورها في الحقيقة – قبل تشتيت الضباط ذوي الخبرة لتحقيق غرض أردوغان في الانتقام- منع حدوث هذا الهجوم الانتحاري الغاشم لأن الجميع يعرف كيف حالت الشرطة في السابق دون وقوع العشرات من التفجيرات والهجمات الانتحارية المخططة. لكن الحقيقة الواضحة للقاصي والداني هي أن حكومة حزب العدالة والتنمية أقدمت على نفي الضباط ذوي الخبرة في العام الماضي فباتت الشرطة عاجزة حتى عن التعرف على اسم المهاجم الإرهابي بصورة صحيحة ناهيك عن منع الهجوم.
وفي ظل هذه الظروف ينبغي لنا أن نؤكّد أن الأمن صار المشكلةَ الأكبر لمدينة إسطنبول. فالشرطة عاجزة عن الحفاظ على الأمن في المدينة. ذلك أن عصابات المافيا والمنظمات الإرهابية وتجار المخدرات واللصوص. كلها تعمل بحرية كاملة إلا أن العمليات الوحيدة التي تنظمها الشرطة في البلاد هي تلك التي تنظّم ضد معارضي أردوغان فقط.
ومع أنني لست متفائلاً كثيراً لكن آمل أن المسؤولين سوف يحلون هذه المشكلة قبل بدء الموسم السياحي القادم.
صحيفة” توديز زمان”

















