أرهان باشيورت
يستقبل الاقتصاد التركي كل يوم إشارة جديدة تدق ناقوس الخطر. فقد ارتفع معدل البطالة إلى 11%، بينما تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصاد والتنمية (OECD) إلى أن هذا المعدل بين الشباب يفوق 30%.كما يعد معدل التضخم من ضمن أعلى المعدلات في العالم، ويبدو أننا لن نرى مؤشرات على انخفاضه عما قريب، فالتضخم فيما يخص الاحتياجات الأساسية للمطبخ في كل بيت يصل إلى 20%.
وبالرغم من انخفاض أسعار النفط على مستوى العالم فإن عجز الميزانية وعجز الحساب الجاري في تركيا يتضخمان. كما أصبحت الليرة التركية هي أكثر العملات التي فقدت قيمتها أمام الدولار الأمريكي بين عملات الدول النامية، فقد وصل سعر صرف الدولار أول من أمس إلى رقم قياسي جديد إذ بلغ 2.73 ليرة. وبلغ حجم الخسارة في قيمة الليرة التركية منذ مطلع العام الجاري إلى اليوم فقط 16%. وبتعبير آخر فمَن كان لديه مليار دولار في تركيا ربح 160 مليون ليرة دون أن يفعل أي شيء خلال الثلاثة أشهر والنصف الأخيرة .
يحمل الخبراء قلقًا بشأن استمرار ارتفاع سعر الدولار بشكل كبير، ناهيكم عن انخفاض قيمة الليرة. لا تستطيع الحكومة سداد الديون. كما زادت نسبة الشيكات التي لا رصيد لها في شهر فبراير/ شباط الماضي 100% مقارنة بالشهر الذي سبقه.
تعيش الشركات أزمة كبيرة بسبب ركود الأسواق والشيكات من دون رصيد. وتخطى عدد أصحاب الديون التي يصعب تتبعها قانونيا والمدينين بقروض شخصية 3 ملايين شخص. وأصبح الناس غير قادرين على سداد ديونهم بسبب عدم قدرتهم على كسب الدخل الكافي.
يتراجع نصيب الفرد من الدخل القومي، وبدلًا عن أن تتقلَّص الفجوة في توزيع الدخل فإنها تتسع. كما صار المستثمرون الأجانب يشعرون بالخوف ويبحثون عن طريق للخروج من تركيا، وينسحبون من البورصة ويعرضون أسهمهم في المصارف للبيع.
أصيبت المؤسسات الخاصة بالشلل. وتحتاج تركيا إلى “حزمة تدابير” عاجلة وإصلاحات اقتصادية جادة. غير أن اقتصاد الانتخابات والسياسات الاقتصادية المسدودة تحول دون تحقيق ذلك. كما أن “المؤسسات المستقلة” لا تستطيع إدارة آليات التوازن والضبط ولا تستطيع حماية المستثمرين الكبار أو الصغار.
تنشَر عشرات الأخبار الكاذبة والافتراءات، وفي الوقت الذي يجب فيه إجراء متابعات قانونية لا تستطيع هيئتا الإشراف والرقابة على العمل المصرفي وأسواق رأس المال أن تتقدما ببلاغ جنائي. وترجح لجنة المنافسة أن تبقى صامتة أمام التوزيع غير المتناسب للإمكانيات العامة. كما أن البنك المركزي غير قادر على اتخاذ الخطوات اللازمة من أجل مواصلة الاستقرار والسيطرة على التضخم. أضف إلى ذلك أن ديوان المحاسبة لا يستطيع بمهمة مراقبة نفقات القطاع العام.
وفوق كل ذلك تصنف الشركات الكبرى بحسب انتماءاتها، ويرهب رجال الأعمال من خلال حملات التفتيش من الضرائب والتأمينات كما كان الوضع سائدًا في حقب الانقلابات العسكرية.
عجلة الواسطة والرشوة
توزع مناقصات القطاع العام بشكل سري بنسبة كبيرة من خلال المحاباة السياسية لا من خلال الانفتاح على الجمهور بشكل تنافسي.
يتراجع الناتج الصناعي، كما يعيش قطاع الإنشاءات الذي يعتبر قوة كبيرة أزمة طاحنة. ويشتكي عالم الأعمال من عدم القدرة على إنجاز أي عمل بدون واسطة، ومن عجلة الرشوة التي يتعرضون لها بشكل مكثف.
ارتفعت الديون الخارجية لتركيا إلى 427 مليار دولار. هذا إلى جانب الديون الكبيرة التي يجب على القطاع الخاص سدادها خلال فترة قريبة. كما أن الزيادة في سعر الدولار أمام الليرة يرفع حمل الديون على المدينين إلى مليارات الليرات. وأصاب هذا التخبط الكبير المصدرين كذلك بخسائر كبيرة…
تركيا تتراجع
لقد تراجع ترتيب الاقتصاد التركي على قائمة أكبر الاقتصادات في العالم من المركز 17 إلى المركز 19 ،وهذا ما يظهر – للأسف – أن تركيا تسير بسرعة نحو أزمة حقيقية.
إن الحكومة التركية الحالية قضت تماما على ثقة الشعب بالقانون، وضربت الاقتصاد في قلبه من خلال الإجراءات التعسفية والتخلّي عن الإصلاحات الديمقراطية. وآمل أن تتخذ الدولة الإجراءات اللازمة قبل أن نعيش أزمة اقتصادية طاحنة. ولهذا يجب تنفيذ تدابير تزيد من الثقة وإجراءات مستقرة تريح الأسواق في أقرب وقت.
لا يبدو أن الحزب الحاكم باستطاعته السيطرة على البيانات المعلنة ولا الأزمات التي بدأ المواطن يشعر بها من خلال رسم لوحات وردية أو عمليات تضليل للرأي العام. فالضوء الذي يظهر في نهاية النفق ليس أشعة الشمس بل ضوء القطار الذي يتجه نحونا بسرعة كبيرة.












