نازلي إيليجاك
يستعد رئيس المخابرات التركية خاقان فيدان لدخول معترك السياسة، ومن المعروف أن السياسة تتطلب شفافية لكن فيدان رجل مليء بالأسرار وتحوم حوله العديد من المزاعم. وهو لم يُجِب عن أية أسئلة أو مزاعم حول شخصيته، كما أنه تعاون مع رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان لينجح في قطع الطريق أمام طرح أسئلة في هذا الصدد. حتى أنه أسهم في اعتقال من طرح هذه الأسئلة وإيداعهم السجون.
إن أكثر الادعاءات الملموسة حول فيدان يتضمنها ملف تنظيم “السلام والتوحيد”.
* فعلى سبيل المثال، قال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني مير فاقيلي في لقاء جمعه بحقّي سلجوق شانلي الذي قضى فترة في السجن بعد تفجيره البنك السعودي الأمريكي في إسطنبول عام 1988: “تحدثت مع أمين ياسيدي، وقد طرد الزعيم بولنت أرينتش من الاجتماع”، وهو بذلك ينقل واقعة حدثت خلال اجتماع مجلس الوزراء التركي. فأمين هذا الذي تحدث عنه فاقيلي هو رئيس جهاز المخابرات التركي خاقان فيدان.
لماذا يستخدم جواسيس إيران اسمًا مستعارًا فيما بينهم لفيدان؟ وكيف لهذا الأخير أن ينقل حادثة وقعت في مجلس الوزراء إلى مير فاقيلي وتحت أية ذريعة؟ (كانت هذه الواقعة متعلقة بمعاتبة أردوغان، عقب عودته من جولة خارجية، لأرينتش الذي اتخذ موقفًا أكثر ليونة بشأن أحداث متنزه جيزي بارك. وقد تبادل فاقيلي وشانلي أطراف الحديث حول هذه المسألة، حتى أنهما ينتقدان أردوغان بسبب موقفه المتشدد من الأحداث).
* ويتضمن ملف تنظيم السلام والتوحيد كذلك محادثة لحسين عوني يازيجي أوغلو مع أحمد أرسلان أحد أعضاء مجموعة دروس المذهب الشيعي. فطرح أرسلان سؤالًا قال فيه: “هل فيدان ينتمي إلى الجماعة؟”، فأجابه يازيجي أوغلو بقوله: “لا، هو ينحدر من حلقات القرآن كالتي كنا نقيمها، فكنا معه في تلك الدروس”.
* إلى جانب تردد اسم فيدان في محادثات جرت بين عملاء إيرانيين، فهناك دفتر عثر عليه في عملية شنتها الشرطة التركية على خلية لحزب الله في منطقة بيكوز بإسطنبول بتاريخ 17/1/2000. وقد لقي زعيم تنظيم حزب الله في تركيا حسين ولي أوغلو حتفه في هذا الهجوم، وجرى التوصل إلى أرشيف التنظيم. وكان الأرشيف يضم حاشية مترجمة عن اللغة الفارسية. وكانت هذه الحاشية تتضمن أسماء المواطنين الأتراك الذين تربطهم علاقة بالعملاء الإيرانيين، وقد نقلت هذه المعلومات من دفتر نسيه العملاء الإيرانيون في منزل كانوا قد التقوا فيه أعضاء تنظيم حزب الله في تركيا في ديسمبر/ كانون الأول عام 1998. وقد أرسل مدير الأمن العام في تركيا آنذاك توران جينتش هذه القائمة إلى جهاز الاستخبارات الوطني والقوات المسلحة التركية يوم 15/1/2001 مرفقة بنص يحمل رقم 7585. وكانت هذه القائمة تضم اسم شخص يدعى متين فيدان وقد كتب بجوار اسمه معلومات عنه “خريج جامعة حلف شمال الأطلسي (ناتو) العسكرية في ألمانيا. يبلغ من العمر 28 عامًا. وكان قد كتب رسالة ماجستير باللغة الإنجليزية عن المخابرات التركية والمخابرات العالمية. يعمل في قسم الحاسوب برئاسة الأركان العامة التركية. يمكن التواصل معه بواسطة إسماعيل أونال”. (معلوم أن خاقان فيدان معروف باسم متين بين أفراد عائلته وأصدقائه المقربين).
* كانت هناك قائمة وسط الوثائق التي أحضرتها السيدة كاملة زوجة حسين عوني يازيجي أوغلو، عضو تنظيم السلام والتوحيد، إلى مديرية الأمن. وقد وردت في هذه القائمة أسماء، ووضعت علامة الموجب (+) بجانب بعض الأسماء وعلامة السالب (-) بجانب أسماء أخرى. فعلى سبيل المثال جاء بجانب اسم محمد شيمشك (-)، هاكان فيدان (+)، موسى قولاق كايا (رئيس إدارة التعاون والتنمية التركية) (+)، خير الدين دميرجان (نائب مدير مستشارية التجارة الخارجية بخزينة الدولة) (+)، محمد آفجي (المستشار الإعلامي لوزير النقل) (+) وغيرهم… وعلامتا الموجب والسالب هاتان تشيران إلى المساعي التي تبذلها إيران لاستمالة كوادر داخل السياسة والبيروقراطية التركية. وعلى الأرجح فإن علامة الموجب وضعت بجانب الأشخاص الممكن استغلالهم.
(نشرت مؤخرًا قائمة تضم أسماء 101 شخص ادعي أنه جرى التنصّت عليهم في إطار قضية السلام والتوحيد. وفي الواقع لم يجرِ التنصّت على معظم هذه الأسماء التي تضم رئيس الوزراء ووزراء ونواب برلمانيين ورئيس جهاز الاستخبارات فيدان، بصفتهم مستهدَفين. ولم يجر إلا التنصّت على مكالماتهم مع الأشخاص المشتبه بهم في إطار التحقيقات. ويمكن اعتبار هذه الخطوة إشارة على أن المشتبه بهم في إطار تحقيق تنظيم السلام والتوحيد قد وصلوا إلى مواقع مهمة في كوادر السياسة والوظائف العليا).
* وبينما كان عميلان لإيران(سليمان أرسلانطاش وهـ. أوزكان) يتحدثان فيما بينهما، وصف الأول تعيينَ خاقان فيدان في منصب رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي بأنه “تعيين القرن”.
* وتقف الولايات المتحدة كذلك على احتمالية أن يكون فيدان تربطه علاقة بإيران. ويرد في الوثيقة التي سربها إدوارد سنودن الموظف السابق لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية. ونشرت مجلة دير شبيجل الألمانية بتاريخ 15/4/2013 مايلي: “لايعرَف على وجه الدقة مدى تأثير علاقة خاقان فيدان المحتملة بإيران على تبادل المعلومات والتعاون بين الولايات المتحدة وتركيا”.
* نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية خبرًا في أكتوبر/ تشرين الأول 2013 جاء فيه: “يفيد مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى بأن فيدان قدمت لإيران معلومات استخبارية حساسة جمعتها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل ثلاث سنوات، وأن هذا أدى إلى زيادة المخاوف في الوقت الذي بدأت فيه تركيا تزعج حلفاءها”.
وهناك ادعاءات مختلفة تتعلق بخاقان فيدان أيضاً، إلى جانب الادعاءات الواردة في ملف تنظيم السلام والتوحيد:
* انتشر زعم يشير إلى أن مقاتلات الجيش التركي قصفت منطقة أولودره بشكل خاطئ ما أسفر عن مقتل أكثر من 30 قرويًا كرديًا كانوا يهرّبون بضائع من الأراضي العراقية، بناء على معلومات استخبارية قدمها جهاز المخابرات التركي الذي ادعى أن مجموعة القرويين هذه كانت تضم شخصًا يدعى فهمان حسين واسمه الحركي باهوز أردال. ولكن أسدل الستار على هذه المسألة ولم يجر التحقيق فيها.
* كان شخص يدعى عمر جوناي قد قتل ثلاث قياديات كرديات بحزب العمال الكردستاني في باريس يوم 9/1/2013. ونشرت وسائل الإعلام أن جوناي ربما يكون على علاقة بجهاز المخابرات التركي. وجرى التستر على هذه الواقعة كذلك. بيد أن وثيقة خاصة بالمخابرات التركية ظهرت إلى العلن تسلط الضوء على هذه الجريمة.
* كما أن هناك واقعة الشاحنات التي أُوقفت في مدينة أضنة وكانت تابعة لجهاز المخابرات التركي، والتي ظهر أنها كانت تنقل أسلحة إلى المجموعات المعارضة في سوريا وليس مساعدات إلى التركمان. من هذه الفصائل المعارِضة؟ هل استفاد المتشددون الذين من ضمنهم جبهة النصرة من شحنة الأسلحة هذه؟ ظل هذا الأمر معلَّقًا دون توضيح. وعلى أية حال، فقد نفذ جهاز المخابرات التركي مهمة لاتدخل ضمن نطاق صلاحياته وأرسل أسلحة إلى خارج البلاد.
* تذكروا اللقاءات التي شهدتها وزارة الخارجية التركية في مارس / آذار 2014 قبيل الانتخابات المحلية. وكان فيدان قد قال في هذا الاجتماع ما يلي: “من السهل أن نجد حجة لاجتياح الأراضي السورية. أستطيع إرسال 4 رجال وأجعلهم يطلقون بعض الصواريخ في مناطق خالية من السكان. ليست مشكلة يمكن اصطناع الذريعة بسهولة. الأمر كله عبارة عن إظهار إرادة الدخول في حرب كهذه”. إن هذه الكلمات تجسد العقلية التي يمكن أن تخاطر بالسلام بهذه السهولة.
ها هو ملف الشخص الذي يريد أن يدخل معترك السياسة. فهو لم يحاسب على ما فعل، وقد تستّر على الادعاءات المنسوبة له. أما السياسة فتتطلب الشفافية. ففي الدول الديمقراطية لايمكن دخول معترك السياسة دون فتح “الصندوق الأسود” والمحاسبة على كل الادعاءات. وبطبيعة الحال فإن الديمقراطية في تركيا تعاني خللًا كبيرًا. وهذا هو السبب الذي يتجرأ الجميع استناداً إليه ويضع لنفسه أهدافاً للوصول إليها.
في الواقع فإن الجميع يتجرأون من خلال ذلك ويحدد أهدافه. والهدف النهائي لفيدان هو الوصول إلى منصب رئيس الوزراء.
صحيفة”بوجون” التركية

















