بقلم: نازلي إيليجاك
يروّج الرئيس التركي للنظام الرئاسي في الحكم؛ إذ قال في أثناء عودته من الصومال: “يطبق النظام الرئاسي في كل الدول المتقدمة”، وهذا ادعاء خاطئ.
ولا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أفكّر في أن مستشاري الرئيس التركي يقدمون له معلومات خاطئة بين الحين والآخر لإظهار الرئيس في وضع” الجاهل”. ذلك أن معظم الدول المتقدمة تتبع النظام البرلماني في الحكم. كما أن بعض هذه البلدان هي بلدان ملكية بشرط المحافظة على النظام البرلماني بها. والآن هل ترغبون في أن يقول أردوغان: “لقد أخطأت، فالنظام الملكي هو الرائج في الدول المتقدمة وليس النظام الرئاسي”، ليبدأ بالترويج لهذا النظام؟!
يمكن تأسيس علاقة بين ديمقراطية أي بلد وبين نموها، لكن من الجهل أن نربط بين مستوى غناها ونظام حكمها سواء كان رئاسيًا أم برلمانيًا. هذا فضلًا عن أن الدول الغنية تدار بوجه عام بالنظام البرلماني، حتى وإن كان رئيس الجمهورية ينتخب من قبل الشعب، كما رأينا في نموذجي النمسا والبرتغال. فما يحدِّد النظام الرئاسي هو علاقة البرلمان بالحكومة، وليس اختيار الشعب لرئيس الجمهورية. فالحكومة مسؤولة أمام البرلمان، أو بتعبير آخر فهي ملزمة بنيْل الثقة من البرلمان. أضف إلى ذلك أن رئيس الحكومة في النظام الرئاسي هو رئيس الوزراء، وليس رئيس الجمهورية.
هذه الأشياء التي شرحتها أعلاه هي معلومات بمثابة أبجديات هذه القضية…
وعلى أية حال، فقد حلّل المستشارون الموضوع خلال الأيام القليلة الماضية، وزوّدوا الرئيس أردوغان بمعلومات جديدة. ولهذا السبب فقد تحدث أردوغان بشكل مختلف في خطابه الذي أذاعه التليفزيوني الرسمي التركي؛ فلم يقل “إن معظم الدول المقدمة تدار بالنظام الرئاسي”، ولم يقدم نموذجي النمسا والبرتغال بالرغم من اختيار الشعب لرئيس الجمهورية هناك، بل اكتفى بقول عبارة مقتضبة مفادها: “هل السائد في الولايات المتحدة والبرازيل والمكسيك وكوريا الجنوبية نظام السلطنة لأنها تدار بالنظام الرئاسي؟”. لكن تصريحاته السابقة لاتزال محفوظة في الأرشيف، ألن يسألوه: “ألم يكن النظام الرئاسي متبعًا في معظم الدول المتقدمة؟ وهل المكسيك والبرازيل وكوريا الجنوبية تندرج ضمن قائمة هذه الدول المتقدمة”.
بقي أن نقول إن البرازيل والمكسيك، اللتين تتبعان النموذج الأمريكي في نظام الحكم، تطبق النظام الفيدرالي لموازنة صلاحيات رئيس الجمهورية. ففي كلا البلدين هناك برلمان وحكومة لكل ولاية، والشعب هو مَن يختار الولاة. أما الصلاحيات القضائية فتتولاها المحاكم الفيدرالية إلى جانب محاكم الولايات. كما يقوم مجلس مشكَّل من البرلمان ومجلس الشيوخ بمهمة سن القوانين (السلطة التشريعية). ولا يمكن لبعض قضاة المحاكم العليا المعينين من قبل رئيس الجمهورية أن يبدأوا عملهم إلا بعد التصديق على ذلك من جانب مجلس الشيوخ.
لايمكننا “الأخذ من كل نظام” عندما نغير نظام الحكم في دولة ما، وبالأخص لا يمكننا أن نتحرك وفق الفكرة التي تقول “لنستورد النظام المتبع في أي دولة يكون فيها الرئيس الجمهوري قوياً، ولنجعل من الرئيس صاحب صلاحيات غير محدودة”.
يدعي البعض أن النظام الرئاسي هو الأنسب لتحقيق مزيد من الاستقرار، لكن تركيا تشتكي اليوم من الاستبداد، وليس من عدم الاستقرار. وكان حزب العدالة والتنمية قد تحدث في البيان الانتخابي عام 2002 أنه “سيعزز النظام البرلماني في الحكم”. كما أن الصيغة الدستورية التي جرى إعدادها عام 2007 كانت تنص على النظام البرلماني. لكن عندما فهموا أن أردوغان سيصبح رئيسًا للجمهورية، بدأ النقاش يدور حول النظام الرئاسي؛ إذ أصبح مسؤولو الحزب الحاكم يلهثون وراء نظام يجعل أردوغان قويًا، وليس تركيا.
أعتقد أن حزب العدالة والتنمية إذا استخدم ورقة النظام الرئاسي كورقة يعتقد أنها رابحة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فإنه سيفقد بعضًا من الدعم الشعبي الذي يتمتع به، على عكس ما يتوقعه مسؤولوه بأن هذه الورقة ستعزز شعبيتهم في الشارع.

















