آدم ياووز أرسلان
يعلم المتابعون أن الناطقة باسم الخارجية الأمريكية جين بساكي سئلت في الاجتماع الصحفي اليومي: هل هناك توقعات في أن تضاف تركيا في قائمة الدول الداعمة للإرهاب؟
بيد أن واشنطن استخدمت لغة معتدلة أو دبلوماسية ولم ترد على هذا السؤال بجواب واضح. لكن الإعلام الموالي للحكومة التركية تناول هذا الخبر بقوله إن مراسل حركة الخدمة الخائن للوطن سأل هذا السؤال السافل.
ولم يذكروا في الخبر اسم الصحفي الذي وجه هذا السؤال فذلك لم يكن مهما بالنسبة لهم لأن قصدهم كان هو الجمع بين مصطلحي “حركة الخدمة” و”خيانة الوطن” وذكرهما معا في كل فرصة.
ولو كان الإعلام العالمي كله مواليا للحكومة لكانت الأمور أسهل بالنسبة للعدالة والتنمية لكن الواقع العالمي لم يكن كذلك في الحقيقة. فثمة صحفيون في مختلف أنحاء العالم يسألون أسئلة قد لاتروق لكم وسيستمرون في طرح أسئلتهم في المستقبل أيضا.
لننتقل الآن لحقيقة ما ادعاه الإعلام الموالي. فالسؤال كان لصحفي أمريكي.
وإن أهمية ما يرمز إليه ذلك السؤال أكبر من السؤال ذاته. لأن هذا السؤال القصير يشير إلى المصير الذي تتجه إليه تركيا. ولم يكن طرح سؤال كهذا في الخارجية الأمريكية مجرد صدفة.
إذا ألقيتم نظرة سريعة على الأرشيف في الماضي القريب لوجدتم أنه وردت أخبار كثيرة في الإعلام الأمريكي تتحدث عن تركيا وداعش والقاعدة معا كما توجد هناك تقارير استخباراتية وما حكى عنه شهود عيان وغير ذلك من المعلومات.
ومن جانب آخر ليس من الغرابة أن تكون المخابرات الأمريكية تعرف كل ما تقومون به بل من الطبيعي جدا أن تعرفه لأنها لاتتوانى في التصريح بأنها تتنصت على تركيا. وإن علاقات الأفراد أو الدول بالتنظيمات الإرهابية ستكون تحت الرقابة المشددة بعد الهجمات الإرهابية التي حدثت في باريس والتي باتت تعرف بـأحداث 11 سبتمبر الفرنسية.
ولن يكون مفاجئا تصعيد موجة عالمية ضد المسلمين بعد الهجمات التي راح ضحيتها 17 شخصا.
يمكن أن تجرى بحوث وتحليلات مطولة على الجانب السياسي لأحداث باريس إلا أن البعد الأمني أكثر استعجالا وله أولوية كبرى.
فإذا نظرتم إلى التحليلات في الإعلام الأمريكي لربما رأيتم أنها تركز على أن الهجمات الشبيهة بما حدثت في باريس قد تنتشر وتزداد لأن جيلا جديدا ظهر وهذا الجيل جرب القتل وتعلم استعمال السلاح عن طريق الانضمام إلى داعش أو القاعدة كما أن الكثيرين منهم حاصلون على شهادات جامعية مرموقة وهم مواطنون لدول غربية وتختلف صفاتهم عن صفات الإرهابيين المعروفة والمعتاد عليها.
وإحدى النقاط البارزة التي تذكرها تلك التحليلات هي التهديد الذي قد تتعرض له تركيا. وإن القرب الجغرافي بين سوريا وتركيا والأخطاء التي ارتكبتها أنقرة إلى وقت قريب جعلت تركيا مستهدفة.
ومن الأبعاد المهمة للتهديد القريب والتي يجب عدم التغافل عنها هو: أن ثمة نسبة غير قليلة من الشباب ذهبوا من تركيا للقتال في سوريا إلى جانب قوات الأسد أو في صفوف داعش.
هناك عدد كبير من الشباب انضموا إلى قوات الأسد من المدن الحدودية التركية مثل هطاي ومرسين وأضنة على وجه الخصوص. وقد عاد بعضهم إلى تركيا والبعض الآخر سيعودون فيما بعد.
وهذا يعني أن تركيا معرضة للتهديد الداخلي بالإضافة إلى التهديد الخارجي.
والجانب السيئ في الأمر هو أن الجميع من غير الحكومة والإعلام الموالي لها قد أدركوا هذه الحقيقة المرة.
وكنت قد كتبتُ منذ عام مقالا لفتُّ فيه الأنظار إلى خطورة المقاتلين الأتراك وقلت إنه يجب تقوية جهاز المخابرات وتكثيف الأعمال الاستخباراتية للبحث في الموضوع لكن الحكومة التي تسعى جاهدة لتغطية أعمال الفساد والرشوة ومحوها من أذهان الناس لم تأبه بالتنبيهات والتحذيرات وهدمت دماغ جهاز الأمن التركي ولا سيما الوحدات المختصة في المخابرات والإرهاب بدلا من تقوية الاستخبارات.
وتخلى حزب العدالة والتنمية عن محاربة حزب العمال الكردستاني وبالتالي أصبحت التنظيمات الإرهابية الأخرى تتحرك بحرية وإننا بانتظار أيام عصيبة جدا مهما تغيرت وجهة الأنظار.
ويبدو أن الابتعاد عن الواقع العالمي إلى هذه الدرجة لا يتيسر إلا لمن يعيش في حوض الإعلام الموالي.
لم يكن لأحد أن يتهم تركيا بدعم الإرهاب من قبل. ولكن هذا أيضا من مستجدات “تركيا الجديدة”.

















