مراد يتكين
تفيد مصادر عسكرية بأن قوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد حاصرت مدينة حلب، لكنها تركت الطريق المؤدي إلى تركيا، والبالغ 5 كليومترات، مفتوحًا أمام المدنيين، وكأنها تقول “من يريد الهروب فليهرب إلى تركيا”.
وربما يتحقق سيناريو سقوط حلب الذي أعربت تركيا عن قلقها بشأنه منذ فترة. لكن يمكن أن تدخل قوات النظام السوري حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، قبل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي (داعش). ويمكن أن نطلق على هذه العملية “عملية استرداد” وليست “سقوط” للمدينة.
لقد بدأت المصادر الإعلامية المحلية السورية ووكالات الأنباء العالمية تنشر أخبارًا عن تضييق قوات الجيش السوري الخناق على المنطقة المحيطة بحلب من خلال عملية عسكرية بدأتها قبل نحو عشرة أيام. غير أنه لدى أنقرة ملاحظة مثيرة، لا سيما وأنها تتابع عن كثب ما يحدث في حلب التي تبعد مسافة 60 كم عن مدينة كيليس الحدودية التركية.
وبحسب المعلومات الواردة من مصدر عسكري لم يفصح عن هويته، فإن قوات الأسد لاتفرض حصارًا على منطقة تبلغ مساحتها نحو 5 كم شمال غرب حلب، بل إنها تفتح المجال لسكان تلك المنطقة من أجل الهروب.
ويعبُر من هذه المنطقة في حلب واحد من أهم ثلاثة طرق برية للدخول إلى المدينة والخروج منها. فهذا الطريق ينحرف مباشرة شمالًا نحو كيليس التركية. أما عندما تنحرفون إلى الغرب على هذا الطريق ستصلون إلى بلدة ريحانلي التابعة لمدينة هطاي على الجانب التركي.
ويضيف المصدر العسكري أن “قوات الأسد تسعى لدفع سكان حلب للهروب نحو الأراضي التركية لإنقاذ حياتهم، وهذا ما يزيد مخاوفنا بشأن موجة جديدة من موجات هجرة اللاجئين السوريين”.
حسنًا، وماذا عن خطر داعش الذي يتحدثون عنه دائمًا؟
ما نفهمه هو أن هذا الخطر دائم، لكن يبدو أنه سيتضاعف أكثر إذا ما حدث اتفاق بين داعش وجبهة النصرة التي تعتبر ذراع تنظيم القاعدة في سوريا. غير أن هذا الاتفاق لم يعقَد حتى الآن، بل على العكس فالطرفان يتقاتلان، هذا علاوة على أن جبهة النصرة تفقد قوتها في مواجهة داعش.
ووفق المعلومات الواردة من مصادر أمنية، فحلب توجد بها في الوقت الحالي جبهة النصرة وبعض الجماعات الإسلامية الأصغر التي تنضوي تحت مظلة الجيش السوري الحر. أضف إلى ذلك السكان المدنيين الذين يحاولون العيش في المدينة التي تحولت إلى كتلة من الدمار.
أطرح سؤالًا آخر، وهو: هل سنشهد موجة نزوح للسكان المحليين إذا سقطت المدينة بأيدي قوات الأسد كما هو الوضع في حال سقوط المدينة في يد داعش؟
توجد إجابتان من مصدرين مختلفين عن هذا السؤال:
يقول المصدر العسكري: “بلا شكّ أنه سيحدث”، أي موجة النزوح. فقد سُمعت في سوريا بما فيه الكفاية العبارة التي قالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه أحمد داود أوغلو “أبواب تركيا مفتوحة دائمًا”.
أما الخبير الأمني فيقول إن المدينة ستسقط بأيدي قوات النظام السوري، ويضيف: “لقد قتل هذا النظام أكثر من 200 ألف شخص، والشعب السوري يعرف ذلك، ولهذا سيفرّ هاربًا من أمام قوات النظام”.
هناك نقطتان مهمتان في هذا السياق، فثمة حقيقة مفادها أن المعارضة السورية مشتتة إلى حد كبير… أما الجيش السوري الحر، الذي كانت الحكومة التركية تعوّل عليه آمالًا عريضة، فقد انقسم إلى ائتلاف واسع يضم تحت لوائه 7 مجموعات مختلفة. فعقب ترْك جمال معروف، القائد الأخير للجيش السوري الحر وقائد لواء شهداء الشام، الجيش الحر وهروبه إلى تركيا، بدأ الجيش الحر يتفكك بشكل ملحوظ.
أما جبهة النصرة، التي تقاتل نظام بشار الأسد مثل الجيش الحر، فهي في حالة قتال مع تنظيم داعش. وفي الواقع، يعتبر أحد العوامل التي أدت إلى تمكين القوات العسكرية البرية النظامية السورية، التي هي ضعيفة في الأصل، من محاصرة حلب من جديد هو كون الجماعات الإسلامية في حالة حرب مع بعضها البعض بشكل مستمر.
لكن هناك عوامل أخرى، أحدها انضمام ميليشات شيعية قادمة من إيران ولبنان للقتال إلى جانب القوات البرية السورية النظامية، إضافة إلى الميليشات النصيرية التي تقاتل على الأرض.
ومن الصعب أن نقول إن هذه المجموعات تخضع لنظام انضباط عسكري، بحسب ما تنقله مصادر أمنية. لكن على أية حال، نحن أمام حرب أهلية شعواء. وهناك عامل آخر، ألا وهو سيطرة القوات الجوية السورية على الوضع من الجو؛ إذ إنها تمطر جبهة النصرة والجيش الحر بالقنابل على حد سواء. وهذا هو سبب إصرار تركيا على إقامة “منطقة حظر طيران” داخل سوريا.
يقول أردوغان وداود أوغلو إنه لن يكون ممكنًا أن تستجمع قوات المعارضة السورية قواها طالما هي هدف لطائرات النظام السوري من الجو. وهو ما سيتسبب في أن تستقبل تركيا المزيد من موجات الهجرة. ولهذا السبب، يجب أن يحظر التحالف الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش الطيران بالجزء الواقع شمال التوازي السادس والثلاثين للمجال الجوي السوري، بالضبط كما حدث في العراق في الفترة ما بين عامي 1991 و 2003. وبهذه الطريقة تكون القوات التي تسعى لإسقاط نظام الأسد، وكذلك الجماعات المتطرفة، في مأمن من الجو داخل الأراضي السورية.
كان داود أوغلو قد التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أستراليا الذي زارها لحضور قمة مجموعة العشرين قبل أيام قليلة، وعقب اللقاء أدلى بتصريحات صحفية قال فيها إن بلاده بدأت تقترب من أطروحات واشنطن. لكن المسؤولين الأمريكيين لم يدلوا بتصريحات تؤكد صحة هذا الكلام.
وكان مستشار وزارة الخارجية التركية فريدون سينيرلي أوغلو التقى، يوم الأربعاء الماضي، جون آلان منسق التحالف الأمريكي ضد داعش. وحمل هذا اللقاء أهمية كبيرة لكونه يعقد قبيل لقاء نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن كل من أردوغان وداود أوغلو غدًا السبت في إسطنبول.
وبعد اللقاء، قال المتحدث باسم الخارجية التركية تانجو بيلجيتش إنه لا يوجد شرط مسبق من أجل الاتفاق مع الولايات المتحدة بشأن تدريب مجموعة من المعارضين السوريين في تركيا، مشيرًا إلى أنه غير واثق من أن عدد هؤلاء المعارضين يبلغ ألفي شخص؛ إذ لم يؤكد أحد هذا العدد بعدُ. وأضاف أنه من الضروري أن يكون هذا الموضوع جزءًا من الاستراتيجية العامة المتبعة للتعاطي مع الأزمة السورية.
وكان أردوغان قد شدد قبيل زيارته إلى الجزائر أمس، الخميس، على ضرورة أن يكون تغيير النظام في سوريا جزءًا من الاستراتيجية المتبعة للقضاء على داعش.
هذا الموضوع ليس مدرجًا على أجندة الولايات المتحدة، لكن أردوغان وداود أوغلو يعتزمان طرحه خلال اللقاء الذي سيجمعهما بنائب الرئيس الأمريكي بايدن في إسطنبول. فهل سيستطيعان إقناعه؟ يبدو هذا الأمر صعبًا.
لكن ربما يكون في هذا الأمر خير، وربما يكون الأمر الذي ينقذ تركيا من الانجراف أكثر في مستنقع سوريا والشرق الأوسط هو أن أعضاء التحالف الدولي يستهدفون القضاء على داعش وليس إسقاط نظام بشار الأسد، واحتمالية أن تنأى الحكومة التركية بنفسها عن هذه الحرب.

















