بقلم: ماهر المهدي
“لو أن جلالته قبل بوضع اسمه السامي العظيم على هذا التنازل، لمنح هذه البلاد –بجرة قلم واحدة– فائدة هائلة وخيرًا لم يسبق له مثيل في عهد كل ملوك فارس، ومنذ آلاف السنين التي مضت”. جاء هذا النص في خطاب البارون يوليوس رويتر إلى شاه إيران في 25 يوليو 1872، ليحصل هو وأسرته على امتياز حصري ونهائي لمدة سبعين عامًا لبناء السكك الحديدية، وإقامة أعمال الري، واستغلال الغابات والأراضي البكر، والبنوك، والطرق، والأشغال العامة والمصانع. ورأى شاه إيران ناصر الدين في هذه الصفقة، التي تمت مقابل مائة وثمانين ألف جنيه إسترليني، صفقة عظيمة؛ لأنها وفرت له الأموال اللازمة للتنزه في أوروبا، وفقًا للمصادر الموثوقة.
لقد قرأ صائد الفرص الإنجليزي عقل الملك الإيراني ناصر الدين شاه قاجار قراءة صحيحة، فعلم إعجاب الرجل بنفسه أيما إعجاب، وهوسه بحياة البذخ كل الهوس. ثم رمى الصياد الملك الخائب الرجاء برصاص الإعجاب بالذات، ليقع الملك صريعًا ويوافق على طلب صائد الملوك رويتر، الذي لا يتجاوز ولا يقل عن امتلاك ناصية مقدرات وموارد دولة إيران العليا في مختلف المجالات: من الزراعة والري إلى طباعة العملة والنشاط المصرفي والطرق والنقل والجمارك لمدة سبعين عامًا، مع الإعفاء من الضرائب، وتمتع عائلة الصياد وأصدقائه بكل الامتيازات اللازمة أيضًا.
وتردد الصيادون على دولة إيران لاحقًا، ليحصلوا على تنازل مهم عام 1901، وهو التنازل الخاص بالتنقيب عن الغاز والبترول واستغلال هذه الموارد الوطنية الإستراتيجية. وعند أول بادرة لتعرض مصالح المملكة المتحدة في إيران، والمتعلقة بالاستئثار بكافة نواحي استغلال البترول والغاز الطبيعي على وجه الخصوص، عاونت المملكة المتحدة وفرنسا العسكري الإيراني الطموح رضا بهلوي لينقلب على الشاه مظفر الدين، وينصب نفسه حاكمًا عسكريًا لسنوات، ينصب بعدها نفسه في منصب “شاه إيران”، ليستمتع هو بالثروة والجاه، ويستمتع حلفاؤه بموارد البلاد رغم أن الإيرانيين هم أصحاب البلاد وأصحاب الموارد.
فقد أطبقت المملكة المتحدة قبضتها على الشاه ومن حوله بالرشى والمصالح، وأطبق الشاه قبضته على الشعب الإيراني بالخوف والقهر والقمع. ومن بعد رضا بهلوي، جاء ابنه على أسنة الرماح الأجنبية التي جاءت بوالده من قبل، ليكمل الطريق مع الأجانب في اتجاه تسخير مقدرات إيران لهم. وبذلك بقي الجميع –الشاه محمد رضا بهلوي، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية– سعيدين، وبقي الشعب الإيراني فقيرًا تعيسًا مقهورًا، حتى ظهور محمد مصدق الوطني الذي أراد لبلده الكلمة على مقدراتها، ليكون لإيران النفع الأكبر والمكسب الأعظم من وراء مواردها الوطنية بعزة وشرف.
لكن محمد رضا بهلوي حارب محمد مصدق لصالح أصدقائه الذين نصبوه في مقعد السلطة، وقهر مخططات محمد مصدق –بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، وبمساعدة معاونيه من المسؤولين الخونة– ليقضي مصدق نحبه سجين بيته في عام 1967، وتخسر إيران رجلًا وطنيًا عظيمًا، وتكتنز الولايات المتحدة الأمريكية مرارة تاريخية صعبة النسيان.
لقد اصطاد البارون رويتر ملك إيران بخطاب تملق لا قيمة له، ومبلغ من المال ربما كان ذا قيمة في ذلك الوقت، وهو ثمن بخس لملك يحكم بلدًا عظيمًا، وثمن بخس لمواطن غالٍ لا يُباع. ولكن صائد الملوك عرف مدخل الملك الأحمق، فجاءه من حيث لا يمكن أن يرفض، مستغلًا إعجاب الملك الزائد بنفسه وافتقاره إلى الحكمة اللازمة لقيادة البلاد. فجعل شاه ناصر الدين قاجار من نفسه رصيدًا رخيصًا لأجانب لا يعنيهم سوى الاستيلاء على الموارد واستغلالها والأرباح من ورائها.
وجعل قاجار من إيران فريسة لا حول لها ولا قوة، ونهبًا للناهبين. ولو أن هذا الملك شاور أحدًا حوله، لربما نجا، ونجت إيران من تلك المكيدة العظيمة الأثر على مر التاريخ وحتى الآن. والفارق واضح بين قاجار وبلقيس ملكة اليمن التي قالت لها حاشيتها: انظري ماذا تأمرين، فردت عليهم بأنها ما كانت لتقطع أمرًا دون مشاورة حاشيتها من الخبراء والحكماء وأولي الرأي.
ولم تفرح بلقيس وتزهو بسلطانها وسطوتها وتعبث بمصير شعبها، وإنما اختارت ما يجنب بلدها ويلات المذلة والسقوط في حاضرها ومستقبلها.













